في سياق دولي متوتر بفعل تداعيات الأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، عقدت الحكومة المغربية اجتماعاً وُصف بالأول للجنة الوزارية المكلفة بتتبع انعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد المغربي، لكن قراءة المراقبين لمخرجات هذا الاجتماع كشفت بأن الأمر لا يتجاوز اتخاذ الحكومة لبعض الإجراءات الظرفية والترقيعية التي لا ترقى إلى مستوى التحديات الحقيقية التي تواجهها المملكة .
فالرهان الحكومي، كما عكسته بيانات رسمية، يظل محصوراً في تدبير اللحظة عبر الدعم المؤقت وامتصاص الصدمات الآنية، دون تقديم رؤية استراتيجية واضحة لكيفية مواجهة أزمة طاقة عالمية متصاعدة، ولا لسبل حماية الاقتصاد المغربي من تقلبات الأسواق الدولية. وهو ما يطرح بإلحاح سؤال النجاعة، في ظل تكرار نفس الأدوات ونفس المقاربات التي أثبتت محدوديتها خلال أزمات سابقة.
في مقابل هذا الخطاب الرسمي المطمئن، يعيش المواطن المغربي على وقع ارتفاع مستمر في أسعار المحروقات، التي أصبحت تثقل كاهل الأسر وتنعكس بشكل مباشر على أسعار النقل والمواد الاستهلاكية. ورغم تعدد الوعود بإيجاد آليات لضبط السوق، فإن الواقع يكشف عن غياب تدخل فعّال يحد من تقلبات الأسعار أو يضع سقفاً لهوامش الربح.
وتزداد حدّة التساؤلات حول مصير المخزون الوطني من المواد البترولية، ومدى شفافية تدبيره، خاصة في ظل غياب معطيات دقيقة ومحيّنة حول حجمه، وكيفية توزيعه، والجهات المتحكمة في مساراته.
مسكّن اجتماعي لا حل مستدام
ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قرار مواصلة دعم غاز البوتان، ورغم أهميته الاجتماعية، يطرح بدوره إشكالية الاستدامة، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار الدولية بنسبة تفوق 68 في المائة. فاستمرار هذا الدعم دون إصلاح شامل لمنظومة الدعم يثقل كاهل المالية العمومية، دون أن يواكبه إصلاح حقيقي يستهدف الفئات الأكثر هشاشة بشكل دقيق وفعال.
كما أنّ دعم الكهرباء بنفس التسعيرة الحالية، يظل إجراءً مرحلياً، لا يعكس وجود استراتيجية طاقية متكاملة قادرة على تقليص التبعية للخارج، أو تسريع الانتقال نحو بدائل مستدامة.
رؤية قصيرة المدى
الملاحظ في تدبير الحكومة المخزنية أنّها تعتمد بشكل كبير على منطق التفاعل مع الأزمات بعد وقوعها، بدل استباقها عبر سياسات بعيدة المدى. فاجتماع اللجنة الوزارية جاء كرد فعل على تطورات خارجية، دون أن يقدم مؤشرات قوية على وجود خطة وطنية متكاملة لمواجهة سيناريوهات أكثر تعقيداً.
ويحذّر عدد من الخبراء من أن استمرار هذه المقاربة قد يقود إلى أزمة أعمق تمس القدرة الشرائية للمواطنين.
أزمة طاقة تلوح في الأفق
في ظل هذه المعطيات، تتزايد المخاوف من دخول المغرب مرحلة صعبة على مستوى التزود بالطاقة، خاصة إذا استمرّت الاضطرابات في الأسواق الدولية. وهو ما قد يفرض على الحكومة اتخاذ إجراءات غير شعبية لتدبير الوضع، من قبيل ترشيد استهلاك الطاقة بشكل صارم.
ومن بين السيناريوهات التي يتم تداولها، اللجوء إلى تقليص أو قطع الإنارة العمومية في بعض الشوارع والأحياء والقرى، كإجراء لتخفيف الضغط على الاستهلاك، وهو خيار ستكون له انعكاسات اجتماعية وأمنية.
الحاجة إلى قرارات شجاعة
يمكن القول إنّ اجتماع الجنة الوزارية المكلفة بتتبّع انعكاسات أزمة الطاقة العالمية على المغرب لم يكن سوى مؤشر على دخول المملكة مرحلة دقيقة اقتصادياً، حيث لم يعد ممكناً الاكتفاء بالإجراءات الترقيعية أو الحلول المؤقتة. فالمطلوب اليوم هو رؤية استراتيجية شاملة تعيد هيكلة قطاع الطاقة، وتضمن شفافية السوق، وتحمي القدرة الشرائية بشكل مستدام.

