الكتابــــة طريقنـــا للتحرر من الدونيــة وطهارتنـا مـــن موبقـــــات الزمــن
بين دفتي الكتاب وقلق الكتابة، يقف الأديب والناقد الجزائري جمال فوغالي حارسا لجوهر الكلمة، وفارسا لا يستكين في ميدان القصة القصيرة، ذلك الفن الذي يقول إنه يخلص إليه في زمن الارتجال، فهو يعتبره مجهرا فلسفيا يقرأ من خلاله تحولات الروح وتعرجات المجتمع، مدافعا عن شعرية السرد في وجه الخطابات الهجينة، مبرزا أن القصة هي ملجأه الإبداعي، وأن الجزائر قلبه النابض وكينونته الأولى، الوطن الذي احتضن يُتمه، ودثّر وحدته، ومنحه الفرصة ليكون سفيرا لثقافتها وصوتا لتاريخها في المحافل الدولية، وصولا إلى سدة المسؤولية مديرا مركزيا للكتاب بوزارة الثقافة والفنون.. في هذا الحوار، نُبحر مع جمال فوغالي من كتاتيب الطفولة وظلال جبال إيدوغ، لنستكشف فلسفته في تطويع اللغة، ووفاءه الاستثنائي لأرض منحته الاعتراف، فبادلها بالانحناء إجلالا والوفاء إبداعا.
– الشعب: المتابعُ لمسيرتكَ يجد أنها ثريةٌ ومتنوعة بين الكتابة والنقد، فكيف كانت البدايات، وما هي أهم المحطات، وآخر المستجدات؟
جمال فوغالي: الكتابةُ، بكل تجلياتها، شغف مستمر معجون بالقراءة والدهشة، فبدونهما ستكون الكتابة أرضاً بوراً وهشيماً تذروه الرياح إلى مَهاوي الرَّدى، وهو ما ترفضه الكتابة الحقّة وتنفر منه نفوراً كبيراً.. إن الكتابة كينونة متجددة تسمو برؤاها لتُعبّر عن الإنسان والحياة والكون، وإن ضاقت العبارة عن اتساع المعنى، وهو ما أشار إليه «جدي» ابن عربي والمتصوفة الأوائل الذين عبروا نحو «فتوحاتهم» باللغة وفيها، تشكيلاً وفكراً.
من هنا كانت البداية، ولا تزال راسخة بقراءات تشبه ألوان قوس قزح، بدأتُ وجدي يقرؤني القرآن، وما يزال صوته يتردد في صدري كما لو أنه لم يغادرني أبداً، كانت «اللوحة والصلصال والسمق» شهوداً على استواء الحرف في قلبي، كنتُ يتيماً، فصار الكتاب أباً وصديقاً، ورفيقاً لازمني من الكتاتيب إلى مقاعد الدراسة. ومن المفارقات التي لا تُنسى، أنني كنت أتخذ من «المقبرة المسيحية» المقابلة لمنزلي مكاناً مفضلاً للقراءة، حيث أغرق في عوالم الكتب المستعارة من المكتبة البلدية حتى أنسى الطعام، هناك تعرّفتُ على المتنبي والحطيئة، وعقدتُ صداقة مع المنفلوطي، وجبران، والرافعي، وطه حسين، والعقاد، ونجيب محفوظ. ثم التقيتُ بالفيلسوف زكي نجيب محمود الذي فتح لي آفاق المعرفة الفلسفية بلغة أدبية رفيعة، وصولاً إلى محمود درويش، وأدونيس، وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى عمالقة الأدب الجزائري ككاتب ياسين، والطاهر وطار، وبن هدوقة، ومحمد ديب.
تلك كانت شذرات البدايات، وما تزال تحفر في الذات لتتحول إلى مسار إبداعي يتجدد في القصة القصيرة والقراءات النقدية، دون أن يغادر جوهره في الانفتاح على الشعر. وحالياً، تطلب مني عدة دور نشر جمع نصوصي لتصدر تباعاً، لكنني لست من المتسرعين، مع شكري الجزيل لثقتهم فيما أكتب.
– المتأمل في ما قلتم ولمساركم يتأكد من عمق تجربتكم الأدبية، ولفن القصة تحديدا، كيف تتعامل مع المتغيرات المجتمعية والثقافية من خلال كتاباتك الإبداعية؟
لا تزال تجربة القصة القصيرة نابضة في وجداني، رغم أنني نأيتُ بها قليلاً عن النشر بعد أن ظلمها الناشرون عربياً ومحلياً لحساب الرواية التي استسهلها الكثيرون، فجاءت نصوصهم مشوهة معماراً وسرداً، والأدهى هو ما أصاب لغتها من هجانة وتناصٍّ وصل حد السرقات الموصوفة.
أحاول دائماً أن أكون حاضراً في قلب المتغيرات المتسارعة في هذا الزمن «الرمادي». ولا بد هنا من الصبر والأناة، فوسط غبار المتغيرات، تظل القراءة وحدها هي ما يمنحنا القدرة على الفهم والوعي. كتاباتي منذ بدأت تشتغل على مقاربة هذه التحولات برؤية فلسفية تجعل من «السؤال» جوهراً يقود نحو النور.. من يقرأ مجموعتيّ «أزمنة المسخ الآتية» و»موتة الرجل الأخيرة»، يدرك أننا نكتب برؤيا القلوب لا بالعيون، وبالبصيرة لا بالبصر. الكتابة ليست نزوة، بل هي طريقنا للتحرر من الدونية، وطهارتنا من موبقات هذا الزمن.
– من ردودك نستشف أنك تميل للنقد، فبينه وبين الإبداع والكتابة، أين نجد الأديب جمال فوغالي؟
أزاوج بينهما، فالقراءة النقدية عندي هي فعل إبداعي أيضاً، الكتابة في جوهرها «محبة»، فكيف يزعم بعض «الكتبة» أنهم ينشرون الجمال وهم يضمرون الكراهية لبعضهم؟ الكتابة هي «المشكاة» التي تضيء قلوبنا لنصل إلى حقيقة وجودنا، كما في «حي بن يقظان» لابن طفيل.
– هل هذه المزاوجة تمنحك رؤية أوضح للأعمال الأدبية، بعيداً عن جفاف النقد الأكاديمي الصرف؟
نعم، أبني عوالمي منهما معاً؛ فالنقد والإبداع كالنهار والليل، يكمل أحدهما الآخر ليصنعا مشهد الرؤية الكامل.
– كيف احتضنتك الجزائر مبدعاً؟ وماذا قدمت لك لتصير ما أنت عليه اليوم؟
أفاخر بوطني اعتزازاً وتجِلّة، فالجزائر هي التي حمت يُتمي، ودثّرت وحدتي، وعلمتني حين كنت جاهلاً، ومنحتني ثقتها الغالية، باسمها زرتُ الصين وكثيراً من الدول الأوروبية والعربية، وكنتُ صوتاً لتاريخها وثقافتها وإبداع مبدعيها. الجزائر أكرمتني ببوأتها لي مناصب إدارية كمدير للثقافة في ولايات عدة، وصولاً إلى وزارة الثقافة مديراً مركزياً للكتاب، ولعلني مهما قدمت أظل مقصراً، لذا أنحني اعتذاراً لها وللشهداء، فهي التي احتضنت أعمالي وبوّأتني المنزلة الرفيعة، وإنِّي بها اليوم أحضرُ وجوداً وكتابةً وحياة.
– متى تكتب؟! هل تكتب لحظة الانفعال أم لحظة هدوء؟
أكتب حين يحدّثني قلبي، وأنا أمشي (فأنا لا أقود سيارة)، أكتب تحت ظلال أشجار «الفيكوس» المعمرة، وعند شاطئ البحر، مصغياً لصمته واضطرابه، لستُ ممن يختارون وقتاً محدداً، فأنا في حوار دائم مع ذاتي. وبعد تجارب مريرة، وجدت في مكتبتي العامرة خير رفيق، أسلّم على مبدعيها في الشعر والفلسفة والتاريخ، مستعيداً ذكرياتي في ثانوية «مبارك الميلي» بعنابة، حيث كنت أدرس الرياضيات متكئاً على جبل «إيدوغ» الأشَمّ.
– كلمة للشباب المبدع؟
سأنصح نفسي أولاً: نحن بحاجة ماسة للقراءة الواعية والمنتقاة. وأدعو الشباب للتريث في النشر، وإعادة القراءة والمراجعة مراراً، تقديراً للكتابة واحتراماً للقارئ؛ فنحن نكتب ليحبَّنا الأصدقاء، كما قال ماركيز.
^ كلمة أخيرة..
^^شكراً لكِ فاطمة، ولجريدة «الشعب» العريقة التي كبرنا على قراءتها والنشر فيها. هذا الحوار أعادني إلى رحابها، وهي منا ونحن منها تاريخاً وذاكرة وحياة.




