أكّد الخبير الاقتصادي، مراد كواشي، أنّ الحركية الدبلوماسية المكثفة التي تشهدها الجزائر في الآونة الأخيرة لا يمكن قراءتها كحدث ظرفي أو عابر، بحكم أنّها انعكاس مباشر لتحول استراتيجي عميق في تموقع الجزائر على الساحتين الإقليمية والدولية، في ظل سياق عالمي يتسم بإعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والطاقوية.
وأوضح كواشي أن الجزائر نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ صورتها كشريك موثوق، خاصة في مجال الطاقة، حيث التزمت بجميع تعهداتها التعاقدية رغم التوترات الدولية المتسارعة، على غرار ما يشهده مضيق هرمز من اضطرابات، وما يرافق ذلك من مخاوف على أمن الإمدادات العالمية، وأضاف أنّ هذا الالتزام الصارم أعاد الثقة للأسواق الأوروبية التي باتت ترى في الجزائر بديلا مستقرا وفاعلا، في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بمصادر أخرى.
غير أنّ أهمية الجزائر – يقول محدثنا – لم تعد ترتكز على البعد الطاقوي وحده، فقد امتدّت لتشمل قطاعات استراتيجية أخرى، نتيجة تحسن مناخ الاستثمار وتوفر بيئة أعمال أكثر جاذبية، خاصة بعد الإصلاحات القانونية الأخيرة، وعلى رأسها قانون الاستثمار الجديد، الذي منح امتيازات وتحفيزات غير مسبوقة للمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب.
وفي هذا الإطار، شدّد مراد كواشي على أن الاستقرار الأمني والسياسي الذي تنعم به الجزائر يمثّل عاملا حاسما في استقطاب الشّركاء الدوليين، خصوصا في منطقة تعاني من توترات مزمنة. وأضاف أنّ هذا الاستقرار مرفوق برؤية اقتصادية جديدة تقوم على التنويع والانفتاح، جعل من الجزائر وجهة مفضّلة للعديد من الوفود الدبلوماسية، التي تسعى إلى بناء شراكات طويلة المدى قائمة على مبدأ «رابح – رابح».
وفي قراءته للزّيارات الأخيرة، توقّف الخبير عند زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، معتبرا أنها تندرج ضمن مسعى أوروبي أوسع لإعادة رسم خريطة التزود بالطاقة، حيث تمثّل إيطاليا أحد أبرز الشركاء الطاقويين للجزائر، وأشار إلى أنّ الغاز الجزائري يغطي نحو ثلث احتياجات السوق الإيطالية، غير أن هذه الزيارة تجاوزت الطابع الطاقوي لتؤسّس لشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، وأوضح أن الاتفاقيات المبرمة شملت مشاريع في الفلاحة، خاصة ما تعلق بزراعة الحبوب في الجنوب، إضافة إلى برامج تكوين متخصصة ومراكز امتياز، فضلا عن تعزيز التعاون في الصناعة الميكانيكية، كما تمّ التطرق إلى مشاريع مستقبلية كبرى، على غرار أنبوب غاز جديد يربط الجزائر مباشرة بإيطاليا، ومشاريع تصدير الهيدروجين الأخضر والكهرباء عبر كابل بحري، في إطار خطّة ماتيي التي تراهن عليها روما لتعزيز حضورها في القارة الإفريقية.
وفي السياق ذاته، اعتبر كواشي أنّ زيارة وزير الخارجية الإسباني شكّلت خطوة مهمة نحو إعادة الدفء للعلاقات الثنائية، بعد فترة من التوتر، مشيرا إلى أنّ إسبانيا تسعى بدورها إلى توسيع مجالات التعاون مع الجزائر، خاصة في القطاعات الصناعية، مثل مواد البناء والصناعات الغذائية والميكانيكية والكهربائية، بما يعكس إدراك مدريد لأهمية السوق الجزائرية كوجهة استثمارية واعدة.
وأبرز مراد كواشي أهمية زيارة الوزير الأول لدولة صربيا، مذكّرا بعمق العلاقات التاريخية التي تعود إلى فترة دعم يوغسلافيا السابقة للثورة الجزائرية، وأوضح أن صربيا تمثّل اليوم نموذجا اقتصاديا صاعدا في أوروبا الشرقية، حيث سجّلت نموّا يفوق 3.9 بالمائة خلال سنة 2024، مع اقتصاد متنوع يعتمد على الخدمات والصناعة والزراعة.
وأشار كواشي إلى أنّ الشّراكة الجزائرية-الصربية يمكن أن تتطور بشكل لافت، خاصة في مجالات الصناعة الميكانيكية وصناعة السيارات والتعدين، إلى جانب الزراعة المكثفة وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، مؤكّدا أنّ هذا التكامل يقوم على تبادل المصالح، حيث تحتاج صربيا إلى الطاقة الجزائرية، في حين يمكن للجزائر الاستفادة من الخبرة التقنية والصناعية الصربية.
ولم يغفل الخبير التطرّق إلى بعد آخر بالغ الأهمية، يتمثل في سعي الجزائر إلى التحول نحو اقتصاد أكثر تنوّعا واستدامة، من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، وهو ما يعزّز مكانتها كفاعل مستقبلي في سوق الطاقة العالمية، وليس فقط كمصدر تقليدي للغاز، وأضاف أن الجزائر تعمل أيضا على تطوير بنيتها التحتية اللوجستية، من موانئ وطرق وسكك حديدية، بهدف تعزيز دورها كمحور إقليمي للتجارة بين إفريقيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يؤهّلها لتكون منصة عبور رئيسية نحو العمق الإفريقي.
وفي بعد آخر، أشار كواشي إلى أنّ الجزائر تلعب دورا متزايدا في القضايا الإقليمية والدولية، سواء في إفريقيا أو في البحر الأبيض المتوسط، من خلال تبنيها لمواقف متوازنة تقوم على عدم الانحياز والدفاع عن الحلول السلمية، وهو ما أكسبها مصداقية كبيرة لدى مختلف الشركاء، ولفت إلى أنّ هذا الحضور الدبلوماسي المتصاعد يعكس رغبة الجزائر في استعادة دورها التاريخي كفاعل محوري في القارة الإفريقية، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنطقة، على غرار قضايا الأمن الغذائي، والتغيرات المناخية، والتحول الرقمي.
وفي سياق متصل، اعتبر كواشي أنّ الانفتاح على الشراكات المتنوعة، سواء مع أوروبا أو مع دول أخرى، يندرج ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى تقليل التبعية لأي طرف، وتعزيز السيادة الاقتصادية، من خلال بناء شبكة علاقات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة.
واضاف أنّ الجزائر تسير بخطى ثابتة نحو تكريس مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، مستفيدة من مقوّماتها الطبيعية والبشرية، ومن الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها، مؤكّدا أنّ المرحلة المقبلة ستشهد تعميق هذا التوجه، بما يعزّز موقع الجزائر في النظام الاقتصادي العالمي، ويمنحها هامشا أوسع للمناورة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

