يتجاوز الحديث عن الإبداع النسوي في المسرح الجزائري مجرد فكرة «التواجد الكمي» ليصل إلى «التأثير الكيفي» في بنية العرض المسرحي، فمنذ عقود، كانت المرأة الجزائرية حاضرة بقوة في مجال التمثيل، حيث استطاعت قامات مثل «نورية» و»كلثوم» و»فطومة لميتي» أن يفرضن المسرح كمهنة نضالية واجتماعية رغم قيود المجتمع آنذاك، كما تؤكد البروفيسور نعيمة سعدية.
وتعتبر سعدية بأننا نرى اليوم الممثلة الجزائرية قد انتقلت من دور «المكمل للرجل» إلى «البطلة المطلقة» التي تحمل على عاتقها ثقل العرض المسرحي كاملا، مستغلة التكوين الأكاديمي في المعهد العالي للفنون الدرامية ببرج الكيفان.
أما في مجالي الكتابة والإخراج – تقول محدثتنا – فإننا نشهد تحولا جذريا في «النظرة المسرحية» موضحة «أن المرأة الجزائرية بدأت تقتحم مجال الإخراج الذي ظل لفترة طويلة حكرا على الرجال»، مشيرة إلى أن هناك العديد من الأسماء مثل «فوزية آيت الحاج» و»صونيا» التي تركت إرثا كبيرا و»تونس آيت علي»، وجميعهن قدمن رؤى إخراجية تبتعد عن الجمود الكلاسيكي وتميل نحو التجريب وتوظيف الجسد والرمزية.
وفي الكتابة الدرامية، ذكرت محدثتنا بأن كثيرا من النصوص النسوية التي ظهرت، تبتعد عن «النواح» أو لعب دور الضحية، لتنتقل إلى نصوص نقدية تحلل بنية المجتمع، وتستلهم من التراث والأساطير الجزائرية لإعادة صياغة الهوية النسوية على الركح بجرأة فنية تحترم الذوق العام وتتحدى الركود الفكري.وأكدت سعدية أن المسرح النسوي في الجزائر يسهم كأداة «للتنوير الاجتماعي» من خلال قدرته الفريدة على طرح القضايا المسكوت عنها بأسلوب يجمع بين الجمالية الفنية والرسالة الإصلاحية، فعندما تكتب المرأة أو تخرج عرضا، فهي تنقل رؤية لا يمتلكها الرجل، حيث تسلط الضوء على التفاصيل النفسية والاجتماعية العميقة التي تعيشها المرأة الجزائرية في البيت، العمل، والشارع وهذا النوع من المسرح يعمل على أنسنة المجتمع، أي أنه يدفع المشاهد إلى مراجعة تصوراته المسبقة حول أدوار الجنسين وحقوق المرأة.
بالإضافة إلى ذلك، تقول البروفيسور سعدية أن المسرح النسوي يؤدي دورا حيويا في الحفاظ على الذاكرة الثقافية، فالكثير من العروض النسوية تعيد إحياء الشخصيات التاريخية والمناضلات اللواتي تم تهميشهن في الروايات التاريخية الرسمية، مما يعزز الفخر بالهوية الوطنية لدى الشباب.
وبذلك فإن العرض المسرحي النسوي يتحول هنا إلى «فضاء للحوار»، حيث تنتهي المسرحية لتبدأ في ذهن المتلقي سلسلة من التساؤلات حول العدالة، المساواة، والحرية، وهو جوهر تعزيز الوعي الثقافي الذي يسعى لبناء إنسان جزائري متصالح مع ذاته ومنفتح على العصر.
ولضمان استدامة وتطور هذا الإبداع، ترى المتحدثة، أنه لا بد من الانتقال من مرحلة «المبادرات الفردية» إلى «الاستراتيجيات المؤسساتية»، وأولى هذه الاستراتيجيات هي خلق منح إنتاجية خاصة بالمشاريع التي تقودها النساء إخراجا وكتابة، وتشجيع المسارح الجهوية على فتح أبوابها للمبدعات الشابات وتقديم تسهيلات لإنتاج نصوصهن، كما يجب التركيز على التكوين والتدريب من خلال تنظيم ورشات عمل متخصصة في تقنيات السينوغرافيا، الإضاءة، وإدارة الخشبة، وهي مجالات لا تزال تشهد نقصا في الكوادر النسوية مقارنة بالتمثيل.وفي الاستراتيجية الثانية المتعلقة بالنشر والتوثيق، اعتبرت أنه من الضروري تدوين ونشر هذه الأعمال في مجلدات دورية لتكون مراجع للباحثين والطلبة، خاصة أن الكثير من النصوص المسرحية النسوية الرائعة تظل حبيسة الأدراج أو تموت بانتهاء العرض.
مضيفة أنه يجب تفعيل الشبكات الفنية، من خلال تأسيس «ملتقى سنوي للمبدعات المسرحيات» أو مهرجان وطني مخصص للمسرح النسوي، كما هو الحال في بعض المبادرات السابقة، ليكون فضاء لتبادل الخبرات وتلاقح الأفكار بين جيل الرائدات وجيل الشباب، مما يخلق تراكما معرفيا وفنيا يضمن للمرأة الجزائرية مقعدا دائما وقياديا في طليعة الفن الرابع.






