بين أروقة المسارح وصخب الخشبة، تحوّلت المرأة، على مرّ التاريخ، من مجرد موضوع للمشاهدة إلى ذات فاعلة ومبدعة تصوغ ملامح الفن الرابع. ويتقاطع الحضور النسوي عالميا مع نظريات التفكيك والهيمنة الجندرية، ليتجسد في التجربة الجزائرية كفعل نضالي وجمالي بامتياز.. فقد أضحى الركح مختبرا حقيقيا للانعتاق والتعبير عن الذات، وإثبات كيان المرأة المبدعة التي صاغت مجد المسرح الجزائري، وتركت بصمتها الفنية على مسارات أجيال متلاحقة من الفنانات الرائدات.
تُعد إشكالية حضور المرأة في الفن المسرحي قضية جوهرية في سوسيولوجيا الفن والدراسات الجمالية، حيث لم يكن هذا الحضور مجرد إضافة عددية فوق الخشبة، بل مثّل تحولا بنيويا في فلسفة العرض المسرحي ذاته.
السياق العالمي
تاريخيا، عانى الفضاء المسرحي من «المركزية الذكورية» التي أقصت المرأة من الفعل الأدائي لقرون طويلة؛ ففي المسرح الإغريقي، الذي يُعد مهد الدراما الغربية، كان حضور المرأة بشكل مادي محظورا، حيث قام الممثل «الرجل» بتقمص الشخصيات النسائية عبر الأقنعة والملابس، وهو ما أدى إلى صياغة صورة «المرأة المتخيّلة» وفق منظور ذكوري بحت، يختزل الكيان الأنثوي في نمطيات أخلاقية أو أسطورية بعيدة عن واقعها الوجودي.
واستمر هذا التغييب القسري حتى العصر الإليزابيثي في إنجلترا، حيث ظلت الخشبة فضاء ذكوريا بامتياز، مما رسخ قطيعة بين الذات الأنثوية وفعل التعبير الدرامي، وجعل من استعادة المرأة لمكانتها في العصور اللاحقة معركة لانتزاع الشرعية الجمالية والاجتماعية معا.
ومع بزوغ فجر الحداثة، انتقل البحث الأكاديمي من رصد الحضور الفيزيائي للمرأة إلى تحليل «سيميولوجيا الأداء النسوي». وفي هذا السياق، برزت نظريات نقدية وازنة حاولت تفكيك آليات الرؤية المسرحية، ومن أبرزها نظرية «المتفرج الذكر» التي استعارتها الدراسات المسرحية من الناقدة السينمائية لورا مولفي. وتجادل هذه النظرية بأن المسرح الكلاسيكي صُمم بنيويا ليكون المتفرج المفترض فيه رجلا، وبذلك تكون المرأة على الخشبة مجرد «موضوع للمشاهدة» بدلا من كونها «ذاتا فاعلة». هذا التشييء دفع بالمنظّرات النسويات، أمثال جيل دولان وهيلين سيكسوس، إلى المطالبة بـ»كتابة أنثوية» تتجاوز الهياكل الدرامية التقليدية القائمة على الصراع الخطي والتصاعد الأرسطي، لابتكار لغة مسرحية تحتفي بالجسد والذاكرة والسيولة السردية، وهو ما عُرف لاحقا بـ»المسرح النسوي المادي» الذي يسعى لتقويض السلطة الأبوية داخل النص والعرض على حد سواء.
إضافة إلى ذلك، يتجاوز الحضور النسوي في المسرح الحديث حدود التمثيل الأدائي ليشمل الوظائف القيادية في العملية الإبداعية، مثل الإخراج والسينوغرافيا والدراماتورجيا، وقد أثبتت الدراسات المعاصرة أن دخول المرأة إلى مجال الإخراج المسرحي أحدث انزياحا في هندسة الفضاء وجدلية العلاقة بين الممثل والجمهور، حيث تميل الرؤى النسوية غالبا إلى تكسير «الجدار الرابع» وخلق فضاءات أكثر تشاركية وتفاعلية.
وعليه، يمثّل الانتقال من «المرأة كأيقونة» أو رمز في التراجيديا الكلاسيكية إلى «المرأة كصانعة خطاب» الثورة الحقيقية في الفنون الدرامية، فالمسرح اليوم لم يعد يكتفي باستنساخ الواقع، بل أصبح مختبرا لتفكيك الأدوار الجندرية وإعادة صياغة الهوية الإنسانية بعيدا عن الثنائيات الضيقة. وبناء على ذلك، يصبح فهم التطور النظري لحضور المرأة في المسرح العالمي مدخلا ضروريا لاستيعاب خصوصية التجارب المحلية، بما فيها التجربة الجزائرية التي تقاطعت فيها هذه الأبعاد المعرفية مع السياقات النضالية والاجتماعية الخاصة.
وللجزائريات تجربتهن..
تتسم التجربة المسرحية النسوية في الجزائر بخصوصية سوسيو-تاريخية جعلت من اعتلاء المرأة لخشبة المسرح فعلا نضاليا يتجاوز البعد الجمالي إلى البعد الوجودي والسياسي. ففي مرحلة الاستعمار، كان المسرح يمثل جبهة لمقاومة طمس الهوية، إلا أن حضور المرأة واجه ممانعة مزدوجة: سلطة استعمارية تسعى لتشييء المرأة، وبنية اجتماعية محافظة ترى في «التشخيص» خروجا عن العرف. ورغم ذلك، برزت أسماء ريادية مثل «فضيلة الدزيرية» التي استثمرت مكانتها الفنية لكسر هذا الحصار، ممهدة الطريق لظهور «فرقة جبهة التحرير الوطني» التي أدرجت العنصر النسوي كضرورة درامية وثورية لتصحيح صورة المرأة الجزائرية في المحافل الدولية، ونقلها من حالة الصمت إلى حالة الفعل المقاوم.
مع فجر الاستقلال، انتقل المسرح الجزائري إلى مرحلة «المأسسة»، وهنا برز جيل العمالقة الذي صاغ هوية الفن الرابع بملامح أنثوية واثقة، حيث شكلت فنانات مثل نورية وكلثوم النواة الصلبة للمسرح الوطني الجزائري. ولم يكن أداؤهن مجرد محاكاة للواقع، بل كان تنميطا فنيا للمرأة الجزائرية في تحولاتها الكبرى، فبرعت نورية في تجسيد الأمومة الصابرة والزوجة المكافحة بلغة شعبية بليغة (الدارجة)، بينما قدمت كلثوم نماذج درامية معقدة قارعت بها كبار الممثلين الرجال. ولم يكتفِ هذا الجيل بالتمثيل، بل خاض معركة إثبات الاحترافية، محولا المسرح من مجرد هواية أو نشاط عابر إلى مسار مهني يحظى بالاعتراف المؤسساتي والاجتماعي، وهو ما سمح لاحقا بظهور فنانات مثل فتيحة بربار وفريدة صابونجي وغيرهن، ممّن رسّخن هذا الحضور في الوجدان الجمعي.
وفي مرحلة لاحقة، شهد المسرح الجزائري تحولا نوعيا بظهور المرأة المثقفة التي تقتحم مجالات الإخراج والإدارة المسرحية، وتُعد صونيا النموذج الأبرز لهذه التحوّلات، إذ لم يقتصر إسهامها على الأداء فوق الخشبة، بل امتد لإدارة مسارح جهوية وإخراج أعمال مسرحية تُسائل المسكوت عنه اجتماعيا وسياسيا. كما نشير هنا إلى ليليان الهاشمي في مجال السينوغرافيا، حيث كانت أوّل امرأة تقتحم هندسة الفضاء المسرحي وتضع رؤى بصرية تبتعد عن الديكورات التقليدية لتعتمد التجريد والرمزيّة.
ويعكس هذا الانتقال من «الممثلة» إلى «صانعة العرض» (المخرجة والسينوغراف) نضج التجربة النسوية الجزائرية وقدرتها على تطويع الأدوات التقنية والفكرية لخدمة خطاب مسرحي بديل، يتناول قضايا المرأة ليس كضحية، بل كذات فاعلة ومؤثرة في صياغة المشهد الثقافي الوطني.
وفي هذا المسار، تبرز أسماء عديدة قدّم تراكُم تجاربها إضافات نوعية للركح الجزائري، ويصعب حصرها جميعا في سياق هذا المقال، ومن بينها: ياسمينة دوار، نادية طالبي، فضيلة حشماوي، دليلة حليلو، فوزية آيت الحاج، فاطمة بلحاج، نضال الجزائري، ليندة سلام، وتونس آيت علي، وغيرهنّ من الأسماء التي جسدت بمساراتها المتلاحقة حلقات وصل أساسية في تطور الرؤية الأدائية للمسرح الجزائري عبر مختلف أجياله. كما لا ننسى الدور الجوهري للناقدات الأكاديميات في ترسيخ أسس التكوين المسرحي، وتطوير أدوات القراءة النقدية للعرض الركحي، ورفد المكتبة الوطنية بدراسات علمية وازنة، واكبت تطور الفنون الدرامية في الجزائر.
بناء على ما تقدم، يمكن القول إن إسهام المرأة في المسرح الجزائري لم يكن مجرد حضور لتأثيث الرؤية الإخراجية، بل كان محركا أساسيا لتطوير اللغة المسرحية والسينوغرافية. واستطاعت المبدعة الجزائرية، عبر أجيال متعاقبة، أن تحول الخشبة إلى فضاء لبلورة الذات الاجتماعية، حيث تتمازج فيه المعاناة الإنسانية بطموحات الانعتاق من القيود الاجتماعية، مما جعل من «المسرح النسوي الجزائري» تجربة رائدة في العالم العربي والإفريقي من حيث القدرة على الصمود والاستمرارية وتجديد الأدوات الجمالية، رغم العقبات المختلفة التي واجهتها، وتواجهها، هذه التجربة.





