قال الشاعر والسيناريست لطفي حسيني إن الحديث عن الإبداع النسوي في المسرح الجزائري هو امتداد لمسار تاريخي طويل شاركت فيه المرأة الجزائرية منذ فترات مبكرة، مؤكدا أن المسرح الجزائري عرف حضورا نسويا لافتا منذ الحقبة الاستعمارية، حيث برزت أسماء نسوية أسهمت في ترسيخ مكانة المرأة على الركح، مثل نورية كلثوم وفضيلة الدزيرية وسلوى..
أشار السيناريست لطفي حسيني في تصريح لـ»الشعب» إلى أن مدينة عنابة تعد اليوم من أهم الفضاءات التي تحتضن التجارب النسوية في المسرح، خاصة بعد تأسيس أوّل مهرجان وطني للمسرح النسوي بها، وهي المبادرة التي أطلقتها الراحلة صونيا حين كانت تدير المسرح الجهوي عنابة»، مؤكدا أن هذا المهرجان « تحوّل مع مرور السنوات إلى موعد ثقافي سنوي تشارك فيه فرق نسوية من مختلف ولايات الوطن، ما جعل عنابة توصف بكونها قبلة للمسرح النسوي في الجزائر».
حسيني كان يتحدث ويقول آملا، وكأن شيئا ما يعتمل في صدره تجاه الإعلام الذي يرى بأنه «لم يسلط الضوء الكافي على النشاط النسوي» مشيرا إلى أن « غياب التغطية الإعلامية جعل الكثير من الجمهور غير مطلع على الأعمال النسوية»
وأضاف المتحدث أن «نشاط المسرح النسوي في الجزائر موجود بالفعل، غير أن الإشكال – بحسب رأيه – يكمن في ضعف التغطية الإعلامية التي لم تسلط الضوء بالشكل الكافي على ما تقدمه المرأة من تجارب مسرحية». ولفت إلى أن «العديد من العروض النسوية أثبتت قدرتها على تحقيق حضور فني مميز، إلا أنها تبقى بحاجة إلى مزيد من الدعم والتعريف بها».
وأكد حسيني أن المرأة « قادرة على صناعة وعي ثقافي من خلال المسرح»، موضحا أن «حضورها في العروض المسرحية، سواء كانت نسوية خالصة أو مختلطة، يسهم في طرح قضايا اجتماعية وثقافية مهمة». واستحضر في هذا الإطار تجربة صونيا التي وصفها بأنها رمز من رموز المسرح الجزائري، مشيرا إلى أن «اسمها الحقيقي هو سكينة مكيو، وقد تركت مسيرة فنية امتدت لأكثر من خمسين سنة، شاركت خلالها في أعمال مسرحية رفقة أسماء بارزة مثل محمد فلاق وعز الدين مجوبي وعبد القادر علولة. كما كانت صاحبة فكرة تأسيس المهرجان الوطني للمسرح النسوي بعنابة قبل أن ترحل بعد صراع مع المرض».
ومن جهة أخرى، شدّد حسيني على أن تعزيز الإبداع النسوي على الركح يتطلب «تحركا أكبر من طرف النساء العاملات في المجال المسرحي»، داعيا إلى أن «تخرج المرأة من عباءة الرجل وأن تتولى بنفسها مختلف جوانب العمل المسرحي، من الكتابة إلى الإخراج مرورا بالسينوغرافيا والتقنيات المرتبطة بالإضاءة والصوت». ويرى أن «الحديث عن مسرح نسوي حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عندما تكون المرأة هي من تكتب النص وتنتج العمل وتشرف على تفاصيله الفنية والتنظيمية».
واقترح محدثنا جملة من الاستراتيجيات التي يمكن أن تسهم في تعزيز هذا التوجه، بينها «تأسيس فرق مسرحية نسوية داخل الجامعات، وإطلاق مسابقات في المسرح النسوي الجامعي، إضافة إلى تنظيم ورشات تكوينية في دور الثقافة لتأطير المواهب الشابة». واعتبر أن تجربة مسرح عنابة يمكن أن تكون «نموذجا يحتذى به في هذا المجال إذا ما تم تعميمها على بقية المسارح الجهوية في البلاد».
وفي سياق حديثه عن واقع المسرح عموما، يرى حسيني أن بعض المبادرات بدأت تعيد الحياة إلى الركح، من بينها البرنامج الذي أطلقته وزارة الثقافة والقاضي بتقديم عروض مسرحية أسبوعية في عنابة تستضيف أعمالا من مختلف المسارح الجهوية في الوطن» . وقال معبرا عن التحسن الذي لاحظه «لا أقول عودة كاملة، لكن المسرح العنابي بدأ يتعافى ويستعيد جزءا من حيويته»، وأشار إلى أن أبواب وزارة الثقافة مفتوحة، وأن الدولة مستعدة لدعم المشاريع المسرحية، لكن المرأة نفسها لا تعرف كيف تنتزع عرض نسوي. صراحة المرأة الجزائرية ما زالت تعتمد على الرجل لصناعة مسرحها وهذا هو الإشكال».
واستحضر المتحدث بعض التجارب المسرحية الحديثة التي قدمت عروضا نسوية، من بينها عرض بعنوان «بيبلومانيا»، الذي شارك في المسابقة الوطنية للمسرح المحترف وحصد جوائز عدة، ويعالج قصة امرأة شغوفة بالكتب يتحوّل شغفها تدريجيا إلى هوس ينعكس سلبا على حياتها العائلية.
وكشف حسيني – في ختام تصريحه – عن عمل مسرحي جديد قيد العرض بعنوان «مروا من هنا» من إنتاج المسرح الجهوي عنابة، يرتقب تقديمه يوم 27 مارس تزامنا مع اليوم العالمي للمسرح، مؤكدا أن مثل هذه المبادرات تشكل فرصة لتعزيز الحراك المسرحي وإبراز الطاقات الإبداعية النسوية في الجزائر.






