بــن طيفـور: الاحتفـال بالشعـر تكريم للإبــداع الشعـري وتشجـيع للمبدعــين
احتفى المجلس الأعلى للّغة العربية، باليوم العالمي للشعر، من خلال تنظيم احتفالية أدبية وثقافية تحت شعار: “الثقافة تاج التنمية”، وذلك بحضور مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالتربية والتعليم العالي والتكوين المهني والثقافة، نصر الدين بن طيفور، رئيس المجلس الأعلى للغة العربية صالح بلعيد، ورئيس المجمع الجزائري للغة العربية شريف مريبعي، إلى جانب ممثلين عن هيئات وطنية وعدد من الشعراء والنقاد والباحثين والإعلاميين.
أكد مستشار رئيس الجمهورية، نصر الدين بن طيفور، خلال افتتاحه الفعالية، أن حضوره يعكس الاهتمام الكبير بالشعر باعتباره أداة للتعبير عن المشاعر الإنسانية والقضايا الكبرى التي تعيشها البشرية.
وأبرز بن طيفور “الأهمية التي توليها الدولة للشعر والشعراء، كون الشعر أداة فعالة في تنمية الفكر والثقافة البشرية وتعزيز الهوية الوطنية”، مضيفا أن “الشعر رافق المقاومة الشعبية الجزائرية والثورة التحريرية المجيدة، وكان سلاحا قويا ساهم به الشعراء في تقوية عزيمة الثوار ونقل هموم المجتمع وآماله، إلى جانب دوره في مرافقة كل مراحل النمو التي عرفتها الجزائر بعد الاستقلال”.
كما لفت، إلى أن الاحتفال بالشعر اليوم يهدف إلى تكريم الإبداع الشعري وتشجيع المبدعين على التعبير عن القضايا الإنسانية والاجتماعية، والحفاظ على مكانة اللغة العربية وإثراء المشهد الأدبي الوطني.
من جهته، أوضح رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، صالح بلعيد، أن هذه التظاهرة “تنظم إيمانا بالدور الحضاري للشعر في ترسيخ الهوية الثقافية وتعزيز قيم الإبداع والتعبير الجمالي، فضلا عن مواكبة الجهود الدولية الرامية إلى إحياء هذه المناسبة الثقافية والاحتفاء بها في مختلف أنحاء العالم”.
وأضاف بلعيد، أن هذه الاحتفالية تندرج أيضا في سياق “الجهود الوطنية الرامية إلى دعم الإبداع الأدبي والفكري تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الداعية إلى تطوير الثقافة الوطنية وتشجيع الطاقات الإبداعية، بما يسهم في تعزيز الحضور الشعري في المشهد الثقافي”.
وقال إن هذا اليوم يمثل الاحتفاء بالشعر والحكمة والجمال في لغتنا العربية، مشيرا إلى دوره في إثراء الحضارة الإنسانية وتزيين الحياة بالبلاغة والفكر الراقي. وأوضح بلعيد أن الشعراء والمبدعين “يساهمون في بناء تاريخ الوطن من خلال الغزليات والحماسيات والفخرية والاستفتاحات”، مشدّدا على أن الشعر العربي هو “ديوان العرب الذي حفظ ألفاظها وتراكيبها، وزادها تنوعا وثراء في الإيقاع والمعنى”، مبينا أن اليوم يشكل فرصة لتسليط الضوء على “أهمية اللغة والشعر في تشكيل الوجدان والتعبير عن هموم الأمة”.
وأشار رئيس المجلس، إلى أن الشعر هو “بستان ديوان العرب وفضاء مليء بالتعدّد والتنوع في الأشكال والمضامين”، وأنه يتيح للشعراء الاختيار بين العمود المركوز، والتفعيلة المجنحة، أو النثر المتنقل، مضيفا أن كل شكل من أشكال الكتابة الشعرية يعكس جماليات اللغة العربية الفريدة ويغني الإرث الأدبي.
واختتم رئيس المجلس الأعلى للغة العربية كلمته بدعوة الحاضرين إلى مواصلة دعم الإبداع الشعري والنقدي للحفاظ على إرث اللغة العربية وتعزيز مكانتها الثقافية، مشدّدا على أن الشعر يظلّ قوة حيّة في التعبير عن الواقع والتاريخ والمجتمع والمشاعر الإنسانية.
وشهد اللقاء الأدبي عدة مداخلات تمحورت حول الشعر الجزائري بين الخصوصية الثقافية والانفتاح والترجمة والحداثة، حيث قدّم الأستاذ الدكتور عبد القادر فيدوح محاضرة بعنوان “حياة وأدب الراحل مبارك محمد جلواح”، أكد خلالها أن جلواح يمتاز بكونه شاعر الوفاء والجرح الوطني، إذ جعل الوطن محورا وجدانيا لقصيدته، وحول النص الشعري إلى مرآة للذاكرة الجزائرية، حيث تمتزج الهوية بالألم، وتصدح الكلمة دفاعا عن المعنى والانتماء في زمن التحولات.
وأشار إلى أن أهمية العودة إلى تجربة جلواح اليوم تكمن في أنها تتيح فرصة التأمل في علاقة الشعر بالوجود، وفي قدرة الكلمة على مقاومة النسيان وتحويل الألم إلى معنى، فالشاعر الذي عاش عمرا قصيرا ترك أثرا يتجاوز حدود حياته، لأن الشعر الحقيقي لا يُقاس بطول الزمن، بل بعمق التجربة.
وأوضح فيدوح، أن الوطن في تجربة جلواح لم يكن شعارا سياسيا بقدر ما كان أفقا وجوديا، فهو مكان الجرح ومصدر الهوية في آن واحد، لذلك يبدو الوطن في شعره ككائن حي يُحب ويُفقد ويُستعاد في الذاكرة، وحين غادر الجزائر لم يكن المنفى انتقالا جغرافيا فحسب، بل انكسارا في بنية الانتماء، ما عمّق إحساسه بالزمن المنفلت وبالذات المعلّقة بين أرضين، حيث تتكثف ثنائية الحياة والموت؛ فالحياة تتجسد في الذاكرة والحب واللغة، والموت في الفقد والنسيان والاقتلاع.
وأبرز أن روح الوطن في شعر جلواح ترتبط بالبعد الوجداني، حين تصبح الكلمة وطنا يعكس الذاكرة الجماعية ويغذي الحسّ الوطني، لتظلّ كتاباته مشبّعة بحب الجزائر والدفاع عن هويتها، مؤكدا أن تجربته الشعرية ستبقى شاهدا على أن الكلمة يمكن أن تتحوّل إلى رسالة وطنية خالدة.
وبين فيدوح أن جلواح رسم الوطن في أشعاره بوصفه ذاكرة جماعية لا تنطفئ رغم الألم والتحولات، وهو ما يفضي إلى الصمود كقيمة تاريخية صنعتها التضحيات، حيث يتجدّد الوطن من رحم المحن، وتتضافر الإرادة الشعبية والأمل لتصنع قوة الاستمرار.
وأضاف أن سيرة جلواح تكشف عن شاعر لم يفصل بين حياته ونصه، فقد كانت تجربته القصيرة مختبرا وجوديا حادا، تشابكت فيه أواصر الزمن والألم والانتماء، لتنتج خطابا شعريا متوترا مشبعا بالوعي المأساوي، يمكن النظر إليه بوصفه أحد المؤسسين لوعي شعري جزائري حديث يقوم على مساءلة الكينونة في لحظة تاريخية حرجة.
وفي محاضرة بعنوان “الشعر الجزائري بين الخصوصية الثقافية والانفتاح الإنساني”، أوضحت الأستاذة الدكتورة فاطمة نصير أن الشعر الجزائري تميز بقدرته على الحفاظ على جذوره الثقافية والانفتاح على الآخر دون ذوبان، فهو لا يتخلى عن هويته بل يعيد صياغتها في إطار إنساني أوسع.
وأشارت إلى أن الهوية لم تعد عنصر انغلاق، بل أصبحت منطلقا للحوار مع الثقافات، حيث يقدّم الشعر الجزائري التجربة الوطنية للعالم ويستوعب القيم الإنسانية المشتركة، مؤكدة أنه حقّق معادلة دقيقة بين الخصوصية الثقافية والانفتاح الإنساني، ما منحه قيمة فنية وإنسانية وجعله قادرا على الاستمرار والتجدّد في عالم متغير، ليغدو صوتا إنسانيا يخاطب الوجدان ويعبّر عن هموم الإنسانية جمعاء.
وتخللت الفعالية مجموعة من القراءات الشعرية لأسماء بارزة في تاريخ الشعر الجزائري، أضفت على اللقاء بعدا إبداعيا حيا، وجسّدت روح المناسبة التي احتفت بالشعر بوصفه فضاء للتعبير الجمالي وذاكرة ثقافية نابضة بالحياة.




