كان أحمد رجلاً عرف العمل قبل أن يعرف الراحة. تنقّل بين الزراعة والصناعة والبناء، ورعى المواشي كما يرعى أبناءه، لا يمد يده إلا لما كسبه بعرق جبينه. وحين اجتمع له مال حلال، اشترى شاحنة صغيرة لنقل بالبضائع والفواكه بين بلدته والقرى المجاورة، كلفته تسعة آلاف دينار، كان رزقها قليلاً، لكنه مُبارَك، يملأ البيت بما يكفي، ويملأ قلب أحمد بحمدٍ لا ينقطع على نعمة العرق الحلال .
ذات مساء، بينما كان يحسب يوميته البسيطة، جاءه صديقه مُحمّلاً بحلم كبير، قائلاً له: « بع شاحنتك، واشترِ مركبة عمومية لنقل الركاب أربح، والرزق فيها أوسع».
تردد أحمد، وقال بصراحة: «لا أملك ثمنها».
فأجابه صديقه بلا تردد: «كملها بقرض».
وقع الكلام في قلب أحمد موقع الشك، لم يكن القرض مُجرد أرقام، بل عبئاً يعرف اسمه وخطورته. قصد شيخاً يسأله، فسمع فتوى ميسرة، قائلاً له: «لا بأس عند الحاجة»، فتوى صنعت على المقاس، لا على الميزان، أقنع نفسه بأن الضرورة تُبيح، ومضى.
باع الشاحنة، واشترى المركبة العمومية، وأكمل ثمنها بقرض، حتى بلغت كلفتها نحو ثلاثين ألف دينار، عمل سائق حافلة عمومي، وتدفق عليه المال كالنهر، ونسي أحمد زمن الشاحنة البطيء، وكان يقول لأولاده مُبتسماً: «لِمَ نفكر بها من قبل؟» .لكن القدر كان يدخر مفاجأته. في منعطف جبلي حاد، انقلبت الحافلة ذات يوم. كان صوت الإنقلاب هادراً كالرعد، تحطم الزجاج، والتوى المعدن، وعلت الصرخات، وبرحمة الله، خرج الجميع أحياء، لكن الحافلة تحوّلت إلى كومة حديد مشوّهة
أفاق أحمد في المستشفى، جسده موجوع، وقلبه أثقلته الديون، لما استطاع الوقوف، قرر بيع المركبة خردة، جال على محال الخردة، تفاوض مع التجار، واحداً تلو الآخر، حتى أشار أحدهما بتسعة آلاف دينار (مع البيرمت ـ لوحتها المعدنية)، وهو نفس ثمن شاحنته الأولى، شاحنة العرق الحلال.
عاد إلى بيته، وأمام عيون زوجته وأولاده، وضع النقود على المائدة، نظر إليها طويلاً، ثم قال بصوتٍ هادئ مليء باليقين: «انظروا رجع لنا المال الحلال، تسعة آلاف دينار، أما المال الحرام فذهب أدراج الرياح».
ثم أوصاهم ألاّ تغريهم الحاجة بالقروض، مهما اشتدت الظروف، وأخذ يتلو على مسامعهم آياتٍ بينات وأحاديث نبوية تحذر من الربا وعواقبه.
وقرأ بصوت يهتز بصدق التجربة، (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) و(أحل الله البيع وحرم الربا)، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:» (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء)». كانت الآيات والأحاديث تنزل على أسماعهم كالمطر الطاهر، تغسل ما علق في النفس من غبار الطمع، وتذكرهم بأن البركة في الحلال، بينما الحرام يزول سريعاً.
وبعد مرور عام على وقوع الحادثة، فارقت أحمد الحياة، وبقي أولاده يقومون بتسديد المبلغ المستحق دفعه للبنك عن والدهم لسنوات طوال.





