ينظم مخبر الترجمة، تحليل الخطاب والدراسات الثقافية الرقمية والمقارنة بجامعة عباس لغرور لولاية خنشلة الملتقى الوطني الأول الموسوم بـ»الأوراس: فضاء الإبداع والتاريخ والثقافة»، وذلك أيام 2 و3 و4 ماي 2026، في تظاهرة علمية تسعى إلى إعادة قراءة هذا الفضاء الرمزي من زوايا ثقافية وجمالية متعددة، تجمع بين البحث الأكاديمي واستحضار الذاكرة الجماعية وتحليل تحولات الخطاب الثقافي في الجزائر.
جاء في ديباجة الملتقى أن «الأوراس يعد فضاء جغرافيا وثقافيا ذا حمولة رمزية كثيفة في الوعي الجزائري، إذ لم يكن مجرد حيز مكاني، بل تحول إلى نسق دلالي متكامل تتقاطع فيه الذاكرة الجماعية مع أشكال التعبير الشعبي، وقد شكّلت الثقافة الشعبية في الأوراس (من أغنية شعبية، وقصص متداولة، وأمثال سائرة…) خزانا رمزيا حافظا على الهوية، وعبر عن تمثلات المجتمع للعالم، كما أسهم في ترسيخ منظومة القيم والتصورات المرتبطة بالبطولة، والكرامة، والانتماء». وأضافت الديباجة أن «هذا الرصيد الثقافي انتقل، في سياق التحولات الحديثة، من التداول الشفهي إلى التمثيل البصري، حيث استثمرت السينما الجزائرية الفضاء الأوراسي بوصفه مرجعية جمالية وسيميائية لإعادة إنتاج التاريخ، خاصة ما تعلق بفترة الثورة التحريرية، أو لتفكيك البنى الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالمنطقة. غير أن هذا الانتقال يثير جملة من الإشكالات المرتبطة بكيفيات التمثيل، وحدود الأمانة الفنية، وإعادة تشكيل المخيال الشعبي ضمن وسائط حديثة».
كما أشارت الديباجة إلى أن «الملتقى يسعى إلى مقاربة الأوراس بوصفه نصا ثقافيا متعدد الطبقات، يتوزع بين الشفهي والبصري، وبين الذاكرة والتخييل، في محاولة للكشف عن آليات إنتاج المعنى وتحولات الخطاب من الشعبي إلى السينمائي ضمن أفق نقدي تداولي وثقافي».من جهتها، أكدت رئيسة الملتقى دلال حلايمية في تصريح لـ»الشعب»، أن هذه التظاهرة العلمية تهدف إلى فتح نقاش أكاديمي معمق حول تمثلات الأوراس في الثقافة الشعبية والسينما الجزائرية، وإبراز هذا الفضاء بوصفه خزانا للذاكرة الجماعية ومجالا خصبا للإبداع الفني. وأوضحت أن اللقاء يسعى إلى تشجيع الدراسات متعددة التخصصات، وتعزيز البحث في الموروث الثقافي المحلي، بما يسمح بإعادة قراءة التراث في ضوء التحولات المعاصرة، مع التركيز على دور الوسائط الحديثة في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية. وانطلاقا من هذه الخلفية، يتوزع برنامج الملتقى على محورين رئيسيين؛ يتناول الأول «الأوراس في الثقافة الشعبية» من خلال دراسة الأمثال والحكايات والأغاني الشعبية، وتحليل بنيتها الدلالية ووظائفها الاجتماعية والثقافية، باعتبارها حاملة للهوية الجماعية ومعبرة عن تمثلات المجتمع. أما المحور الثاني فيركز على «الأوراس في السينما الجزائرية»، من خلال تفكيك صورة المنطقة في الأعمال السينمائية، والبحث في العلاقة بين المرجعية التاريخية والتخييل الفني، ومدى حضور المخيال الشعبي في الخطاب البصري. ويطرح الملتقى مجموعة من الإشكالات التي تسعى إلى تعميق البحث، من بينها كيفية بناء صورة الأوراس داخل الخطاب الشعبي، وحدود التفاعل بين الشفهي والبصري في تمثيل الموروث الثقافي، ودور السينما في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية، وهل تمثل وسيطا حافظا للتراث أم منتجا لقراءات جديدة له. كما يناقش المشاركون رهانات الانتقال من النص الشعبي إلى النص السينمائي، وما يفرضه ذلك من أسئلة منهجية وجمالية تتعلق بحدود الأمانة التاريخية وحرية التخييل الفني.
ومن المنتظر أن يجمع هذا الموعد العلمي نخبة من الباحثين والأكاديميين من مختلف الجامعات الجزائرية، في إطار حوار علمي يهدف إلى تبادل الخبرات البحثية وإثراء النقاش حول الثقافة الشعبية بوصفها ركيزة أساسية في بناء الهوية الوطنية. ويرتقب أن يشكل هذا اللقاء منصة لإعادة التفكير في العلاقة بين التراث والحداثة، خاصة في ظل التحولات الرقمية التي أثّرت في طرق إنتاج المعرفة وتداولها.
كما يطمح المنظمون إلى أن تسهم مخرجات الملتقى في تشجيع الدراسات الأكاديمية حول الموروث الثقافي للأوراس، وتعزيز حضوره في المشاريع الفنية والبحثية، إضافة إلى الدعوة إلى توثيق الذاكرة الشفوية وتحويلها إلى أعمال بصرية وإبداعية قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة. ويؤكد هذا التوجه أهمية الأوراس كفضاء ثقافي حي، تتقاطع فيه الذاكرة مع الإبداع، والتاريخ مع التحولات المعاصرة. ويرتقب أن يخرج المشاركون بجملة من التوصيات التي تعزز البحث في الثقافة الشعبية وتدعم حضورها في المشهد الثقافي، بما يسهم في إعادة قراءة المخيال الجماعي الجزائري وإبراز غناه وتنوعه. وبذلك، يشكّل هذا الملتقى خطوة مهمة نحو إعادة الاعتبار للأوراس بوصفه فضاء للإبداع والتاريخ والثقافة، وجسرا يربط بين التراث والوسائط الحديثة في إطار رؤية علمية متجددة.


