مقاربة براغماتية تجمع تعبئة الموارد الوطنية والانفتاح على الشّراكات الدولية
مقوّمات التّحوّل الهيكلي موفورة..تعزيز الإنتاج الوطني وتقليص التبعية للخارج
قدرة على خلق الـثروة والحفـاظ علـى ديناميكيـة الاقتصــــاد خلال الأزمـــات
قال الباحث في تقييم السّياسات العمومية في مجال الأمن الغذائي والاقتصاد البحري رشيد عنان، إنّ مفاهيم الحصانة الاقتصادية والسيادة الاقتصادية عادت لتتصدر النقاشات الاستراتيجية، في ظل عالم يتسم بتسارع الأزمات وتداخلها، لا كشعارات ظرفية، بل كخيار وجودي تفرضه التحولات الدولية المتلاحقة.
وأوضح عنان في تصريح لـ “الشعب”، أنّ الأزمات التي شهدها العالم في ظرف وجيز، من جائحة كوفيد-19 إلى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، مرورا بتصاعد التّوتّرات في الشرق الأوسط على خلفية حرب غزّة وما رافقها من اضطرابات في خطوط الإمداد عبر باب المندب، وصولا إلى اتّساع رقعة الصّراعات الدولية، شكّلت جميعها ما يشبه “صدمة وعي” أعادت ترتيب أولويات الدول.
في هذا السّياق، أكّد الباحث في تقييم السياسات العمومية أنّ هذه الصدمات المتتالية دفعت الحكومات إلى تبنّي مقاربات جديدة ترتكز على تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، خاصة في مجالات حيوية كالأمن الغذائي والمائي والطاقوي والمالي، باعتبارها ركائز أساسية لأي سيادة اقتصادية فعلية.
ضمن هذا التّحوّل العالمي – يقول عنان – برزت الجزائر كنموذج يسعى إلى تعزيز حصانته الاقتصادية، حيث شرعت منذ سنة 2021 في تسريع وتيرة الإصلاحات، مع تركيز واضح على ملف الأمن الغذائي، ويتجلى ذلك، حسب الخبير، في توسيع المساحات الزراعية المستصلحة، ورفع الرقعة المسقية عبر برامج تطوير الري الفلاحي، وهي خطوات تهدف بالأساس إلى تقليص التبعية للواردات الغذائية، وأضاف أنّ الجزائر اعتمدت مقاربة براغماتية تقوم على الجمع بين تعبئة الموارد الوطنية والانفتاح المدروس على الشراكات الدولية، من خلال إطلاق مشاريع كبرى، على غرار التعاون مع قطر في مجال تربية الأبقار الحلوب، والشّراكة مع الولايات المتحدة لتطوير الإنتاج الحيواني والزراعي، إلى جانب مشاريع مع إيطاليا في مجال إنتاج وتحويل الحبوب.
وبالرغم من أهمية هذه الجهود، أبرز الخبير وجود تحديات بنيوية لا تزال تعيق حسبه تحقيق سيادة غذائية كاملة، خاصة ما يتعلق باستمرار التبعية في بعض حلقات سلاسل القيمة الزراعية، مثل البذور، والأسمدة التكميلية، والأدوية النباتية، ما يطرح مفارقة أساسية مفادها أنّ تحقيق السيادة الغذائية مرهون بالتحكم في مدخلات الإنتاج.
وفي هذا الإطار، شدّد المتحدّث على ضرورة التوجه نحو توطين إنتاج البذور محليا، وتطوير صناعة وطنية للأسمدة، إلى جانب بناء قدرات متقدمة في مجال حماية النباتات، بما يسمح بإغلاق سلاسل القيمة بشكل متكامل ورفع نسب الإدماج المحلي، وهو ما لم يعد خيارا بل ضرورة استراتيجية مثلما ذكر.
ويرى الخبير أنّ هذا التّوجّه يجد ما يبرّره في الحالة الجزائرية، بالنظر إلى توفّر عدّة مقوّمات، من بينها الموارد الطبيعية، والقدرات البشرية المؤهلة، والإمكانيات المالية التي تسمح بتمويل التحولات الهيكلية، إضافة إلى فرص التعاون الدولي لنقل التكنولوجيا.
كما تبرز المكننة الزّراعية كعامل حاسم في رفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتزايد الطلب على الغذاء، ما يجعل تحديث القطاع الفلاحي أولوية لا غنى عنها.
ولا تقتصر الحصانة الاقتصادية – حسب الخبير – على تأمين الاحتياجات الأساسية، بل تمتد لتشمل القدرة على خلق الثروة والحفاظ على ديناميكية الاقتصاد في أوقات الأزمات، فالاقتصاد الصّامد هو الذي يضمن استمرارية الإنتاج، ويحد من البطالة، ويعزّز القيمة المضافة محليا.
وفي هذا الإطار، أكّد المتحدّث أنّ الجزائر تمتلك فرصة حقيقية لتحويل القطاع الزراعي إلى رافعة تنموية، من خلال استغلال إمكانياتها الفلاحية والغابية، بما يساهم في امتصاص البطالة، خاصة في المناطق الريفية، وتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
وأوضح أنّ بناء حصانة اقتصادية فعالة يمر عبر إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، بما يضمن تأمين الحاجيات الأساسية للمواطن من غذاء وماء ودواء، في إطار رؤية شاملة تقوم على التكامل بين مختلف القطاعات، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتقليص التبعية للخارج، في عالم يتجه نحو مزيد من عدم اليقين.




