قانون الاستثمار واليقظة الاستراتيجية..محرّكات النّمو الجديد
سلاسل القيمة والرّقمنة أدوات الجزائر لرفع تنافسية المنتج المحلي
جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر واعتماد النشاطات الصديقة للبيئة
أكّدت الخبيرة في التحليل الاقتصادي سليمة سايح، أن الجزائر تعمل على بناء حصانتها الاقتصادية من خلال تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الصادرات خارج المحروقات، وتفعيل آليات اليقظة الاستراتيجية، يجعل من تجربتها نموذجا طموحا تسعى عبره للانتقال من مفهوم الاقتصاد الريعي إلى «الاقتصاد المنيع».
أوضحت سليمة سايح في تصريح لـ «الشعب»، أن الحصانة الاقتصادية تبدأ من السيادة الاقتصادية والاستقلالية التامة في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي في استغلال مقدرات البلاد وثرواتها وكذلك تسييرها، وأشارت إلى أنّ مصطلح الحصانة يأتي كمفهوم مرادف للقوة والمناعة، وهذا ما تسعى الجزائر إلى تحقيقه وبلوغه من خلال لفيف من الإجراءات والقرارات والسياسات التي تنتهجها، والتي تستمد شرعيتها من الإرادة السياسية الصادقة، وعزم قيادة البلاد على تكريس هذه الحصانة.
وأبرزت سايح ملامح الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة، التي تعمل من خلالها بلادنا على تنويع اقتصادها، مؤكّدة تزايد صادراتها من خارج المحروقات بوتيرة متزايدة باطراد ممّا يقلّل من اعتمادها على النفط والغاز، بوصفهما سلعتين تتميزان بمرونة منخفضة (عدم استجابة التغير في أسعارها للتغير في كمياتها المعروضة والمطلوبة)، في المقابل، أدّت الإصلاحات الاستراتيجية إلى تعزيز كفاءة التجارة، واجتذاب الاستثمار الأجنبي.
وترى سايح أنّ الجزائر تعمل على تنويع صادراتها خارج المحروقات بين الأسمدة ولفائف الصلب والتمور، فضلا عن الاسمنت والخدمات الرقمية من خلال الشركات الناشئة، وكلّها تشكّل منتجات ذات استعمال وسيط تقوم عليها قطاعات اقتصادية أخرى من صناعة وزراعة، ممّا يبرز أهميتها ومرونتها العالية.
وحسب سايح، يساهم ذلك في توسيع وتنويع القاعدة الاقتصادية للجزائر وكذلك إثراء حافظة الأعمال، وهو الإجراء الذي من شأنه أن يكسب الاقتصاد الوطني حصانة ومناعة تحميه من تقلبات الأسعار، وتذبذب الطلب الكلي محليا وعالميا، مؤكدة على أهمية بذل المزيد من جهود التوسيع والتنويع ما سيرسم مسارا أكيدا وواضح المعالم نحو التنويع الاقتصادي.
في سياق متصل، سلّطت سايح الضوء على الاستثمارات العملاقة والجريئة للدولة الجزائرية كمنجم غارا جبيلات والقيمة المضافة المتأتية من خلاله، وكذلك منجم الكبريت في الشرق، ما يراعي مبدأ التوازن في توزيع الاستثمارات والثروات بين جهات الوطن، ناهيك عن مصنع الحليب بالبيض واستثمارات تيميمون وتنويع الشبكات اللوجستية النقل والإمداد بالمياه والكهرباء لمختلف مناطق الوطن، إلى جانب الإنجازات المحورية في هذا التحول، على غرار نظام المجمع المينائي الجزائري، والذي يرتبط بمنصة رقمية تصل جميع المتدخلين في العمليات التجارية في الموانئ، وتقلّل من أوقات تخليص البضائع من خلال ربط الجمارك وخطوط الشحن والمصدرين.
وأكّدت سايح أنّ قانون الاستثمار يعدّ عنصرا أساسيا في هذه الجهود كونه يهدف إلى جذب المستثمرين المحليين والأجانب، وذلك بالنظر لمختلف التحفيزات التي يقدّمها القانون مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية، وتبسيط الإجراءات الإدارية من خلال الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار التي أسهمت في مرافقة المستثمر، وتسهيل الحصول على الأراضي والمعلومات.
من جهة أخرى، أشارت سايح إلى أنّ قطاع الزراعة في الجزائر لم يتخلّف عن قاطرة الإصلاحات والإجراءات الداعمة، حيث سجلت طفرات إيجابية في إنتاج المنتجات الغذائية الطازجة والقمح ومشتقاته، فضلا عن المنتجات الموجّهة للصناعة التحويلية الغذائية، وكذلك استغلال جلود الأغنام وكذلك مادة الفلين، والتي قامت كلها على دراسة سلاسل القيمة، والتعاون بين القطاعين العام والخاص.
ولضمان استيفاء المنتجات الجزائرية للمعايير الدولية، قامت الهيئة الجزائرية للاعتماد بتوسيع نطاق عملها، ويعد الاعتماد أمرا بالغ الأهمية لمواءمة المنتجات الجزائرية مع المعايير العالمية، وهي ميزة بالغة الأهمية لدخول أسواق جديدة تضيف الخبيرة.
وشدّدت سايح على تعزيز تدابير مواجهة البيروقراطية، والتفطن الدائم ورصد التحول العالمي نحو الحد من الانبعاثات الكربونية، لا سيما بالنسبة للصادرات كثيفة الانبعاثات الكربونية مثل الأسمدة والأسمنت، للحفاظ على ديمومة نمو الصادرات، ومعدل النمو وكبح جماح ارتفاع معدل التضخم من خلال الحفاظ على التوازن بين متغير العرض والقدرة الشرائية، وتعزيز الإنتاجية وتدعيم الاقتصاد الحقيقي المولد للثروة من خلال استثمارات حقيقية، وليس توظيف الأموال أو مشاريع تجارية تعتمد في جوهرها على نقل الحيازة أو الملكية رغم أنّها قد تكون مصدرا لتمويل الخزينة من خلال ما توفره من كتلة جبائية.
واقترحت سايح جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر مع الحرص، على شرط نقل التكنولوجيا وتخضير الاقتصاد «النشاطات الصديقة للبيئة»، وأشارت إلى أنّ تعزيز سلاسل القيمة في القطاعات ذات الإمكانات العالية مثل الطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات يشكّل حتمية استراتيجية.




