ليس عبثا أن تعود مشاريع إعدام الأسرى إلى واجهة التشريعات القمعية كلما دخلت السلطة في مأزق عميق؛ فحين تفشل أدوات السيطرة التقليدية في كسر الإرادة، يتحوّل الجسد الأسير إلى ساحة انتقام رمزية.
هنا لا يعود القانون اداة لتنظيم الحياة، بل وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة عبر العنف العاري. غير أن المفارقة الكبرى، التي يصرّ التاريخ على تكرارها، إن هذه اللحظة تحديدا هي بداية الانفلات، لا نهايته.
في التجربة الجزائرية، لم يكن الإعدام يوما حلا بقدر ما كان اعترافا ضمنيا بالعجز. الاستعمار الفرنسي، وهو يمتلك آلة قمع هائلة، راهن على المقصلة والرصاص لكسر روح الثورة. اعدم، عذّب، وعلّق المشانق في الساحات، لكنه لم يدرك ان الجسد حين يسقط، تتحرّر الفكرة من حدود الخوف. تحول الذين اعدموا الى رموز جمعية؛ لم يعودوا افرادا بل اصبحوا ذاكرة حية، تتناقلها الاجيال كوقود معنوي لا ينضب. لم تخمد الثورة، بل اتسعت، وتضاعف زخمها، وكأن كل عملية اعدام كانت بمثابة اعلان جديد عن ميلاد مقاومين اخرين.هذا النمط لم يكن استثناء جزائريا. في فيتنام، في كوبا، وفي تجارب تحررية عديدة، أخفقت سياسات الاعدام في تحقيق الردع المنشود. ذلك أن السلطة، وهي تمارس أقصى درجات العنف، تفترض ان الخوف هو المحرك الأساسي للسلوك البشري. لكنها تغفل عن عنصر حاسم: الكرامة. حين يشعر الانسان ان وجوده مهدد في جوهره، يصبح الموت احتمالا اقل كلفة من الخضوع. عندها، ينقلب ميزان الردع؛ فلا يعود الاعدام رادعا، بل محفزا.
من زاوية نفسية، يخلق اعدام الاسرى اثرا عكسيا معقدا. فبدلا من تفكيك البنية المعنوية للمجتمع، يعيد تشكيلها على اساس التضامن والغضب. يتحوّل الاسير المعدوم الى مرآة يرى فيها المجتمع ذاته المهانة، فيتوحد حولها. وهذا ما يفسر كيف تتوسّع دوائر التعاطف، وكيف تنتقل القضية من اإطارها الضيق الى فضاء اوسع من الشرعية الاخلاقية. هنا، يفقد القمع وظيفته التقليدية، ويصبح عبئا على من يمارسه.أما قانونيا، فإن تشريع اعدام الاسرى يكشف عن ازمة عميقة في مفهوم العدالة ذاته. فالقانون، في اصله، يفترض ان يكون تجسيدا لمعايير الانصاف والحق. لكن حين يتحول الى اداة تصفية، يفقد شرعيته الاخلاقية، حتى لو احتفظ بشكله الاجرائي. وهنا تكمن خطورة هذه القوانين: انها لا تكتفي بانتهاك حقوق الافراد، بل تضرب اساس النظام القانوني برمته. فالقانون الذي يشرعن القتل خارج معايير العدالة، يعلن، ضمنا، نهاية قدرته على ضبط العنف.اجتماعيا، يؤدي إعدام الأسرى إلى إعادة توزيع المعنى داخل المجتمع. لم يعد الاسير مجرد فرد مقيد، بل يصبح نقطة ارتكاز لسردية جماعية. تتشكل حوله قصص، اناشيد، وذاكرة مقاومة. وهذه الذاكرة لا تموت، بل تتجذر مع الزمن، لتتحول الى جزء من الهوية. وهنا يظهر الفشل البنيوي لسياسات الاعدام: فهي تنتج، دون ان تقصد، نقيضها تماما. بدل ان تطمس الهوية، تعيد صياغتها بشكل اكثر صلابة.
سياسيا، يكشف اللجوء الى الاعدام عن انسداد الافق. فالسلطة التي تثق بقدرتها على الاقناع لا تحتاج الى المشانق. اما حين تضيق الخيارات، يصبح العنف الخيار الاخير. لكنه خيار مكلف؛ لانه يفضح حدود القوة، ويحول الصراع من نزاع سياسي الى قضية اخلاقية. وعندما يدخل الصراع هذا المستوى، تفقد السلطة كثيرا من قدرتها على التحكّم في مساراته.
إن التجارب التاريخية، من الجزائر زمن الاحتلال الفرنسي الى غيرها، تقدم درسا واضحا: اعدام الاسرى لا ينهي المقاومة، بل يعيد انتاجها في صورة اكثر راديكالية. الدم لا يغلق الملفات، بل يفتحها على مصراعيها. الصمت، ربما، كان يمكن ان يطيل عمر السيطرة، اما القتل فيسرع من تآكلها. هذه ليست رومانسية ثورية، بل قراءة باردة لمسار متكرّر.في النهاية، يبدو ان من يشرّعون قوانين الاعدام يراهنون على ذاكرة قصيرة، وعلى خوف دائم. لكن الواقع يثبت عكس ذلك. الذاكرة تطول، والخوف يتحوّل. وما كان يظن انه نهاية، يصبح بداية. هنا تحديدا، يتجلى المعنى الاكثر استفزازا: حين يتحوّل الإعدام من أداة لإنهاء المقاومة، الى لحظة ميلادها الاكثر نقاء.




