يتواصل بمؤسسة عسلة بالجزائر العاصمة معرض «لقاء متجدد» الذي يجمع ثلاثة فنانين تشكيليين هم عادل جيلالي، محمد بن ديمة وعبد الوهاب كاف نمر، وذلك إلى غاية 11 أبريل، حيث يقدمون أعمالا تجريدية تقوم على أشكال وزخارف وألوان لا تحاكي أي واقع ملموس. وتدعو هذه اللوحات المتلقي إلى ما هو أبعد من المشاهدة، إذ تفتح المجال للإحساس والاستكشاف، في قطيعة واضحة مع التقاليد التشخيصية التي تعتمد تمثيل عناصر قابلة للتعرّف.
تكشف الأعمال المعروضة عن تعبيرات تشكيلية متباينة تنتمي جميعها إلى التجريد، كما اختار الفنانون عدم وضع عناوين للوحاتهم، تاركين حرية التأويل للمتلقي، فالعلاقة تبنى مباشرة بين العين والتكوين، حيث يصبح اللون والملمس والحركة عناصر أساسية في قراءة العمل الفني، ضمن حساسية بصرية تنفتح على الخيال بدل محاكاة الواقع. يعتمد الفنان محمد بن ديمة في أعماله على تركيبات تستلهم أسلوب النحت البارز بألوان ذهبية، من خلال تقنية مختلطة تجمع بين الرسم والنحت، إذ ينفصل الموضوع قليلا عن الخلفية ليخلق حجما. وتُنجز الأعمال على القماش أو الخشب باستعمال عجينة مُحضّرة من مواد مختلفة مثل الطلاء اللاصق والورق، وتُشكل بواسطة السكين، ما ينتج بروزات ملمسية تمنح اللوحة بعدا يجمع بين الرسم والنحت. كما تحدث التجاويف والنتوءات تلاعبا بين الظل والضوء يبعث الحياة في الأشكال، ويشتغل الفنان أساسا على المنحنيات التي تولد الحركة وتبرز استدارة العناصر، مانحة إحساسا بالسيولة والديناميكية. ويؤكد أنه يستلهم من الطبيعة والزخارف التقليدية، مثل تلك المستخدمة في صناعة الزرابي، مشيرا إلى غياب الخطوط المستقيمة في أعماله لصالح المنحنيات. أما لونيا، فيجمع بين الذهبي والأسود فقط، حيث يبرز الأسود التفاصيل الذهبية، في امتصاص للضوء يقابله انعكاس من اللون الذهبي، ما يعزّز الإحساس بالحجم ويخلق توازنا بين العتمة والضياء.
من جهته، يوظف عادل جيلالي من مستغانم تقنيات متعددة تشمل الزيت والأكريليك والكولاج على القماش أو الخشب الرقائقي. وتعتمد أعماله على أشكال هندسية مثل المستطيل والدائرة لتنظيم الفضاء وتوجيه النظر وتوزيع الضوء والظل، وتندمج داخل هذه الأشكال زخارف مستوحاة من الحلي والنسيج والنقوش الصخرية. وتغلب على لوحاته ألوان البني الفاتح والأوكر ودرجات الأحمر، مع تركيز على المادة التصويرية والملمس، حيث تتحوّل اللوحة إلى حقل تجريب متعدد الأبعاد يطرح تساؤلات حول الشكل، كما تخلق درجات الأحمر تباينات حرارية تمنح العمل حيوية وعمقا وطاقة. ويستلهم الفنان عادل جيلالي من التراث الثقافي المغاربي، خاصة النقوش الصخرية والنسيج والحلي، مؤكدا ميله إلى التجريد واهتمامه بالفن المعاصر إلى جانب ممارسته للفن الرقمي.
أما عبد الوهاب كاف نمر، فيستخدم تقنيتي الزيت والأكريليك على القماش، وتقوم أعماله على تركيبة هندسية مؤلفة من أربعة مربعات متجاورة تعكس اهتمامه بالتناظر والتجريد. ويمنح هذا الأسلوب إحساسا بالنظام والتوازن والاستقرار، حيث تبدو كل مساحة وكأنها مرآة للأخرى. ويستعمل الفنان درجات الأخضر والفيروزي التي توحي بالسكينة وتخلق أجواء حالمة ومضيئة. وتخلو أعماله من الأشكال البشرية، وتعتمد على مساحات لونية متجاورة أو متداخلة تعبّر عن تجريد غنائي، حيث تتجاور العاطفة والملمس والضوء وذبذبات اللون دون الاعتماد على عناصر قابلة للتعرف.
ويجمع بين الفنانين الثلاثة توجههم نحو التجريد، كل بأسلوبه الخاص؛ فمحمد بن ديمة يوظف المنحنيات والبروزات واللونين الذهبي والأسود، بينما يعتمد عادل جيلالي الأشكال الهندسية والملمس الغني، في حين يرتكز عبد الوهاب كاف نمر على التلاعبات اللونية والتناظر. وتلتقي أعمالهم في كونها لا تحاكي الواقع، بل تخاطب الخيال وتمنح المتلقي تجربة بصرية قائمة على اللون والمادة والحركة.


