ليس أخطر من رصاصةٍ تُطلق في ساحة المواجهة.. إلا قانونٍ يُصاغ في قاعةٍ باردة ليمنح تلك الرصاصة شرعية الدم.
ما أقرّه كنيست الاحتلال ليس مجرد نصّ قانوني عابر، بل هو إعلان صريح بأن الموت لم يعد نتيجة حرب.. بل أصبح سياسة مُنظّمة، تُدار بالحبر كما تُدار بالنار.
إن إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يكشف الوجه الحقيقي لمنظومةٍ طالما حاولت التزيّن بشعارات «الديمقراطية» و»سيادة القانون»، فإذا بها اليوم تُسقط آخر أوراق التوت، وتُعلن للعالم أن العدالة في قاموسها تُفصّل على مقاس الاحتلال، وأن القانون فيها ليس ميزان حق.. بل أداة قتلٍ مُقنّعة.
أيّ قانونٍ هذا الذي يُحاكم الأسير وهو مقيّد؟
أيّ عدالةٍ تُصدر حكم الموت على من جُرّد أصلًا من حريته؟
وأيّ أخلاقٍ تبقى لدولةٍ تجعل من الإعدام خيارًا سياسيًا لا قضائيًا؟
إنها ليست مسألة قانون.. بل مسألة وعيٍ عالمي يُختبر.
فحين يتحول الإعدام إلى تشريع، تصبح الإنسانية كلّها على المحك، لا الأسرى وحدهم. وحين يُمنح الجلاد صكّ البراءة مسبقًا، فإن الجريمة لا تعود استثناءً.. بل تتحول إلى قاعدة.
هذا القانون ليس موجّهًا فقط لأجساد الأسرى، بل لروح الشعب الفلسطيني بأكمله؛ محاولةٌ لبثّ الرعب، لكسر الإرادة، لفرض معادلةٍ قوامها: «إما الصمت.. أو الموت».
لكن التاريخ، في كل مرة، كان يكتب سطرًا معاكسًا: أن الشعوب التي تُهدَّد بالفناء.. تزداد تمسّكًا بالحياة.
من خلف القضبان، يقف الأسرى اليوم على خط تماسٍ جديد، ليس مع السجّان فقط، بل مع قانونٍ يريد أن يحوّلهم من أسرى إلى مشاريع شهداء بقرارٍ رسمي. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أكثر صلابة من كل القوانين: أن الحرية لا تُعدم، وأن الإرادة لا تُشنق، وأن الشعوب لا تُمحى بتوقيعٍ في جلسة برلمانية.
إن تمرير هذا القانون هو وصمة عارٍ في جبين العالم الصامت، قبل أن يكون جريمة في سجل الاحتلال. فالصمت هنا ليس حيادًا.. بل شراكة غير معلنة في الجريمة.
والتاريخ لا يرحم الصامتين.
في زمنٍ يُشرّع فيه الموت.. تصبح الحياة موقفًا.وفي وجه قانون الإعدام.. يصبح الصمود فعل مقاومة.
وفي حضرة هذا الظلم الفجّ.. لا نملك إلا أن نُعيد التذكير:أن من يُحاكم شعبًا بأكمله.. إنما يحكم على نفسه بالسقوط، مهما طال الزمن.
لن يُعدموا الحكاية.. ولن يُطفئوا الضوء في عيون الحرية.





