زاوي: تجربـة الجزائر في مكافحــة الفساد نموذج يجمع بين الإرادة والنجاعة
وديــع: الجزائر تدير ملف الإنابــات القضائيــة بدقة وفق الأطـــر القانونية الدوليـــة
قدّم وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، عرضا حول ملف استرجاع الأموال المنهوبة، كشف فيه عن توجيه 33 إنابة قضائية إلى سويسرا، تمّ دراسة وقبول 20 ملفًا منها، فيما تمّ الفصل النهائي إلى حدّ الآن في أربعة ملفات تتعلّق بالأموال المنهوبة والمجمّدة، على أن تسترجع الجزائر بموجب هذه الإجراءات أكثر من 110 ملايين دولار.
في قراءة تحليلية لمسار استرجاع الأموال المنهوبة، أكّد المحلّل السياسي رابح زاوي أنّ الجزائر لم تتعامل مع هذا الملف الحساس بمنطق الارتجال، بل وفق استراتيجية ممنهجة متعدّدة الأبعاد، جمعت بين الإرادة السياسية الصارمة، والآليات القانونية المحكمة، والدبلوماسية النشطة، وهو ما مكّن من تحقيق نتائج ملموسة في ظرف وجيز نسبيا.
وأبرز زاوي أنّ الانطلاقة الفعلية لهذا المسار جاءت مع التعليمات الصريحة التي أصدرها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، والذي اعتبر استرجاع المال العام “مسألة سيادة وطنية”، وهو توصيف يعكس التحوّل العميق في نظرة الدولة إلى هذا الملف، من كونه مجرّد إجراء قضائي إلى كونه معركة سيادية متكاملة الأركان. هذه الإرادة تُرجمت ميدانيا من خلال توجيه ما يقارب 335 طلب تعاون قضائي دولي نحو 32 دولة، تم تنفيذ جزء معتبر منها، فيما لا تزال بقية الملفات قيد المعالجة، بالنظر إلى الطبيعة المعقّدة والإجراءات الطويلة التي تميّز هذا النوع من القضايا على المستوى الدولي.
وفي سياق تدعيم هذه المقاربة، أشار المتحدث إلى أنّ الجزائر انتقلت من موقع الانتظار إلى موقع المبادرة، من خلال إنشاء لجنة خبراء متخصّصة تضم قضاة وإطارات من وزارة المالية ودبلوماسيين، تعمل على تنسيق ومتابعة الملفات بشكل آني مع مختلف الشركاء الدوليين، في إطار تكامل مؤسّسي منح التجربة الجزائرية طابعا مميّزا مقارنة بعدة تجارب في المنطقة.
كما أبرز زاوي أنّ الجزائر اعتمدت على ترسانة قانونية متينة، في مقدمتها القانون 01-06 المتعلق بمكافحة الفساد، المتماهي مع الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، وهو ما وفّر غطاء قانونيا دوليا معترفا به، سمح بتفعيل آليات التعاون القضائي الدولي، سواء عبر الوكالة الأوروبية للتعاون القضائي أو من خلال مبادرات دولية لتتبع الأصول، الأمر الذي مكّن من تحقيق نتائج معتبرة، من بينها حجز أصول داخلية تفوق 200 مليار دينار، ومصادرة 23 مصنعا أعيد بعث نشاطها، إلى جانب استرجاع ممتلكات وعقارات وأرصدة بنكية، ليتم الإعلان عن استرجاع كامل الأموال المنهوبة داخل الوطن.
كما أبرز أيضا أنّ التحوّل اللافت يتمثل في بروز ما يمكن تسميته بـ«دبلوماسية استرداد الحقوق”، حيث أصبحت البعثات الدبلوماسية تلعب دورا محوريا في تنفيذ الإنابات القضائية ومتابعتها، وهو ما تجسّد في التعاون مع عدد من الدول، على غرار سويسرا وإسبانيا، في إطار مقاربة عملية تستند إلى التنسيق المباشر وتفعيل الاتفاقيات الثنائية.
ورغم النتائج الإيجابية، أشار زاوي إلى جملة من التحديات التي لا تزال تواجه هذا المسار، في مقدمتها تعقيد الإجراءات القضائية الدولية، واختلاف الأنظمة القانونية، فضلا عن صعوبة تتبّع الأصول في ظل شبكات مالية معقّدة، والقيود المرتبطة بالسرية المصرفية في بعض الدول، مؤكّدا أنّ هذه العراقيل تعكس طبيعة معركة طويلة النفس تتطلّب صبرا واستمرارية.
مســــار استعـــادة السّيـــــــــادة
من جانبه، أكّد أستاذ العلوم السياسية بجامعة قالمة، الدكتور مخلوف وديع، أنّ ما تحقّق في هذا الملف يندرج ضمن مسار أوسع من التحولات التي عرفتها الجزائر منذ عام 2019، وأوضح أنّ التحدي الذي واجه السلطات العمومية بعد انتخاب رئيس الجمهورية لم يكن بسيطا، بل كان تحديا مزدوجا، تمثل في ضرورة ترميم الاقتصاد الوطني وحسن استغلال مقدراته من جهة، والعمل على استرجاع الأموال المنهوبة من جهة أخرى، غير أنّ جائحة كورونا فرضت في بدايتها إعادة ترتيب الأولويات لصالح الجانب الصّحي، قبل العودة تدريجيا إلى استكمال المسار الاقتصادي والإصلاحي.
وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى أنّ الدولة الجزائرية، وبتوجيهات وحرص شخصي من رئيس الجمهورية، عملت على تعزيز فعالية الدبلوماسية الجزائرية، خاصة في بعدها القضائي، من خلال إصدار عدد معتبر من الإنابات القضائية نحو عدة دول، لاسيما الأوروبية، بهدف استرجاع الأموال التي تم تحويلها بطرق غير شرعية.واستدل الدكتور وديع بالأرقام التي تضمّنها بيان مجلس الوزراء الأخير، والتي كشفت عن توجيه 33 إنابة قضائية نحو الكونفدرالية السويسرية، تم قبول 20 منها، مع استرجاع ما يفوق 110 ملايين دولار ضمن أربع قضايا فصل فيها نهائيا، إلى جانب 61 إنابة موجّهة إلى فرنسا، وهو ما يعكس – يقول محدثنا – انتقال الجزائر من مرحلة الوعود إلى مرحلة تجسيد النتائج على أرض الواقع.
وأضاف أنّ هذه المعطيات تؤكدّ أنّ ما كان يُنظر إليه في سنة 2019 على أنه أمر بالغ الصعوبة، قد أصبح اليوم واقعا ملموسا، بفضل تضافر جهود مؤسّسات الدولة، لاسيما الجهازين القضائي والدبلوماسي اللذين عملا على تتبّع الملفات بدقة وتقديمها وفق الأطر القانونية الدولية المعترف بها.
كما أكّد الدكتور وديع أنّ استرجاع الأموال المنهوبة لا يقتصر على كونه مكسبا اقتصاديا فحسب، بل يمثل تجسيدا فعليا لسيادة الدولة الجزائرية وتمسّكها بحقوقها، مؤكّدا أنّ هذا الملف لا يخضع لأي شكل من أشكال المساومة، بل يندرج ضمن الثوابت التي تحكم السياسة الخارجية الجزائرية القائمة على الندية وعدم التفريط في حقوق الشعب.
وتعد التجربة الجزائرية في هذا المجال برأي المحلل، نموذجا متكاملا يجمع بين الإرادة السياسية والنجاعة المؤسّساتية، ويؤكّد أنّ مواصلة هذا المسار من شأنه أن يعزّز الثقة في مؤسّسات الدولة ويدعم توجّهها نحو بناء اقتصاد قوي ومستدام.


