سويسرا ستسلم الجزائر 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة
استراتيجية متكاملة لاسترداد الأصول وتعزيز الحوكمة المالية
عزيمة فولاذية في معركة قانونية ودبلوماسية لاسترجاع الثروات الوطنية
تواصل الجزائر تحقيق نتائج ملموسة في ملف استرجاع الأموال المنهوبة، في تجسيد واضح لالتزامات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي جعل من محاربة الفساد واسترداد الأموال المهربة للخارج أولوية وطنية، وجاءت النتائج الأخيرة نحو استلام أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة المجمّدة لدى فيدرالية سويسرا، لتؤكّد أنّ الرئيس وعد فأوفى، وأنّ الدولة ماضية في هذا المسار بإرادة قوية لحماية المال العام وتعزيز تسييره، وأنّ الحرب على الفساد خيار لا رجعة فيه.
عكست المعطيات التي قدّمها وزير الدولة وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، أمام مجلس الوزراء المنعقد، أمس الأول، تقدّما ملموسا في مسار يوصف بأنه من أعقد الملفات ذات الامتدادين القضائي والدبلوماسي، حيث تكلّلت الجهود المكثفة التي تقوم بها السلطات منذ 7 سنوات، باستلامها قريبا أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة والمجمّدة لدى فيدرالية سويسرا.
وفي عرض مفصّل حول تقدّم هذا الملف، كشف وزير الخارجية عن توجيه 33 إنابة قضائية إلى دولة سويسرا، تم قبول 20 ملفا منها، بينما تمت معالجة أربع ملفات بشكل نهائي إلى حدّ الآن، ما يمكّن الجزائر بموجب هذه الإجراءات من استرداد أكثر من 110 ملايين دولار من الأموال المنهوبة والمجمّدة، واسترجاع مبالغ إضافية في المستقبل.
وقد ثمّن رئيس الجمهورية هذا التعاون، موجّها شكره للسلطات السويسرية، إلى جانب إشادته بالدور الذي لعبته إسبانيا في ملفات مماثلة، مشدّدا على أهمية التنسيق الدولي في ملاحقة الجرائم الاقتصادية العابرة للحدود.
وعلى نقيض التعاون السويسري- الإسباني، برزت تساؤلات كثيرة حول الموقف الفرنسي، حيث كشف التقرير عن توجيه 61 إنابة قضائية إلى باريس في إطار استرداد الأموال والممتلكات، غير أنّ السلطات الفرنسية لم تستجب لأي منها حتى الآن، ممّا يطرح ألف تساؤل حول مدى التزام باريس بالتعاون الدولي في مكافحة الفساد وتبييض الأموال.
وبرغم هذه المطبّات، تواصل الجزائر حربها دون هوادة ضدّ جرائم الفساد، وتخوض بعزيمة فولاذية معركتها القانونية والدبلوماسية لاسترجاع الثروات الوطنية المنهوبة والمحولة نحو الخارج بطرق غير شرعية، مكنتها في وقت سابق من استرجاع ما يفوق 30 مليار دولار من الأموال المنهوبة، شملت أصولا متنوعة من بينها عقارات وفنادق فخمة، مثلما أعلن عنه رئيس الجمهورية شهر أكتوبر الماضي، مؤكّدا أنّ هذه العملية ليست مجرّد إجراء قانوني، بل هي فعل سيادي جنّب الاقتصاد الوطني الانهيار، خاصة بعد أن كشفت التحقيقات أنّ “الاستيراد المزيف” وحده استنزف ما يقارب 62 مليار دولار في سنوات سابقة.
ولأنّ استرجاع الأموال المهربة إلى الخارج يتطلّب جهدا دبلوماسيا وقضائيا استثنائيا، فقد جنّدت وزارة العدل كافة طاقاتها من خلال توجيه ما يقارب 335 طلب تعاون قضائي دولي نحو 32 دولة، بهدف تتبع العائدات الإجرامية وتجميدها وحجزها، إلى جانب 53 طلبا لاسترداد الموجودات وجّهت لـ11 دولة من بينها دولة إفريقية، في إطار استراتيجية متعدّدة الأبعاد جمعت بين المسار القضائي والتحرّك الدبلوماسي.
ولتعزيز هذه المساعي، انضمت الجزائر إلى الشبكات الدولية والإقليمية الفاعلة المعنية باسترجاع الأصول، على غرار مبادرة “ستار” التابعة للبنك الدولي، والمنتدى العالمي لاسترداد الموجودات، فضلا عن انضمامها إلى شبكة “أرين-مينا”، ما أتاح دفعا إضافيا للملفات قيد المعالجة، عبر تنسيق الجهود وتكثيف اللقاءات مع الدول المعنية.
وبالرغم من تعقيدات الأنظمة القانونية الأجنبية واختلاف إجراءاتها، إلا أنّ الجزائر اليوم تمتلك النفس الطويل والخبرة التقنية الكافية لملاحقة العائدات الإجرامية أينما وجدت، معتمدة في ذلك على القوة القانونية والتحرّك الدبلوماسي، لضمان عودة كل الأموال المنهوبة من خزينة الشعب إلى مسارها الطبيعي في التنمية والبناء.
ولم يكن مسار استرجاع الأموال المنهوبة وليد الصدفة، بل كان نتيجة استراتيجية متكاملة انطلقت منذ عام 2019، بحجز وتجميد ممتلكات وأصول رجال أعمال ووزراء سابقين، ومصادرة عقارات ومصانع وسيارات ومبالغ مالية ضخمة داخل الوطن، وتم تفعيل الإنابات القضائية الدولية سنة 2021 نحو دول أوروبية من بينها إسبانيا وفرنسا لاستعادة الأصول المهربة، وتكثيف جهود تتبع الأموال المنهوبة في 2025 عبر مئات طلبات التعاون القضائي الدولي.
ولعبت اللجنة الوطنية للخبراء المكلفة باسترجاع الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج دورا محوريا في هذا الإطار، حيث تتولى متابعة مسار الاسترجاع وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك الجهات القضائية والأمنية والمالية، لضمان فعالية أكبر في تتبع الأصول واستعادتها.
كما تبرز الدبلوماسية الجزائرية كرافعة أساسية في هذا المسار، من خلال تعزيز التعاون الدولي وتسهيل الإجراءات مع الدول المعنية، خاصة تلك التي توجد بها الأصول المهربة.
وفي سياق تعزيز الحوكمة المالية لهذه الموارد، أنشأت الجزائر صندوقا خاصا بالأموال والأملاك المصادرة أو المسترجعة في إطار قضايا مكافحة الفساد، مثلما جاء في قانون المالية لسنة 2026، بلغ رصيده 116,556,434,662.97 دينار جزائري.
وتمّ فتح هذا الحساب بموجب المادة 43 من الأمر رقم 21-07 المتضمّن قانون المالية التكميلي لسنة 2021، حيث يسجّل في جانب الإيرادات الأموال المصادرة بموجب قرارات قضائية نهائية داخل الجزائر وخارجها، نواتج بيع الأملاك المصادرة أو المسترجعة، أمّا في باب النفقات فيخصّص لتغطية المصاريف المرتبطة بتنفيذ إجراءات المصادرة والاسترجاع والبيع، إضافة إلى تصفية الديون المثقلة للأملاك المصادرة أو المسترجعة.
ويعكس هذا الصندوق توجّه الدولة نحو تأطير عملية استرجاع الأموال ضمن آلية شفافة ومنظمة، تضمن حسن تسيير هذه الموارد وتوجيهها بشكل فعّال.


