تثمــين المورد البشري والثروات الباطنيـة.. ثنائيـة النهضة الشاملة
شراكــات استراتيجية وسيادة وطنية.. طفـرة اقتصادية غير مسبوقـة
تسرّع المنظومة التعدينية الجزائرية، بفضل قاعدة ثروات ضخمة لا تنضب، طموح الجزائر في الانضمام إلى مصاف الدول الناشئة بشكل سريع باعتبارها رافدا يضخ الثروة والقيمة المضافة، وتحتل الجزائر المرتبة السابعة عالميا من حيث الإنتاج، وينتظر أن تبسط تواجدها القوّي والدائم في الأسواق العالمية بفضل احتياطاتها الضخمة وانطلاق عجلة استغلال مناجمها.
تبرز رؤية الجزائر المنتصرة، بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في حسن استغلال الموارد، سواء كانت باطنية أو طبيعية، إلى جانب تثمين المورد البشري، باعتباره الركيزة الأساسية لأي تحول اقتصادي حقيقي، وتسعى هذه المقاربة المتكاملة إلى وضع الجزائر في موقع اقتصادي يليق بإمكاناتها الضخمة وتنوّع مواردها، حيث لم تعد البلاد، كما كان ينظر إليها سابقا، مجرد دولة طاقوية تعتمد على النفط والغاز، فقد نجحت الجزائر في ضبط أجندتها التنموية، وتسريع وتيرة نهضتها الشاملة، سواء على الصعيد الصناعي أو الفلاحي، إدراكا منها بأن تحقيق السيادة الاقتصادية يمرّ حتما عبر تأمين الغذاء والدواء، بالتوازي مع تطوير الآلة الصناعية وتعزيز قدراتها الإنتاجية وبعد ذلك الانتشار والتموقع في أسواق خارجية.
بنـاء سلسلـــة متكاملــة
بخطى متسارعة، قطعت الجزائر أشواطا معتبرة نحو إعادة رسم ملامح اقتصادها الوطني، مستندة إلى قاعدة طبيعية ثرية ومتنوّعة، تجعل من قطاع التعدين أحد أبرز روافع التحوّل الاقتصادي المنتظر، ففي وقت يشهد فيه العالم تحوّلات عميقة في أسواق الطاقة والمواد الأولية، تبرز الجزائر كفاعل صاعد، قادر على استثمار موارده المعدنية الضخمة لتحقيق قيمة مضافة تتجاوز النموذج التقليدي القائم على المحروقات، وأهم ما يميز المرحلة الراهنة أنها تشهد ديناميكية جديدة، عنوانها تسريع وتيرة الاستكشاف والاستغلال، وفتح المجال أمام الاستثمارات، بما يعكس إرادة واضحة لجعل التعدين رافدا حقيقيا للاقتصاد الوطني.
وتشير المؤشرات إلى أن الجزائر تمتلك مؤهلات تؤهلها للتموقع ضمن كبار المنتجين عالميا، حيث تصنف ضمن المراتب المتقدمة في الإنتاج، مع آفاق واعدة لتعزيز حضورها في الأسواق الدولية.. هذا التوجه لا يقتصر على رفع حجم الإنتاج وحده، بل يتعداه إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة، تشمل التحويل الصناعي، وتطوير الصناعات المرتبطة بالمواد المنجمية.
إن انطلاق مشاريع استغلال المناجم الكبرى يمثل نقطة تحول حاسمة في هذا المسار، إذ ينتظر أن تسهم في ضخ استثمارات ضخمة، وخلق فرص عمل، وتعزيز التنمية المحلية في المناطق الداخلية، كما أن هذه المشاريع تفتح المجال أمام نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات الوطنية، بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.
وفي سياق عالمي يتسّم بتزايد الطلب على المعادن، خاصة تلك المرتبطة بالتحوّل الطاقوي والتكنولوجي، تبدو الجزائر أمام فرصة تاريخية لتعزيز مكانتها كمورد موثوق ومستقر؛ فتوفر الاحتياطات، مقرونا بالإرادة السياسية، يمكن أن يحول البلاد إلى قطب إقليمي في الصناعات التعدينية.
وتحرص الجزائر في تسريع نهضتها الاقتصادية والقفز إلى مصاف الدول الناشئة، على تحسين البيئة الاستثمارية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الحوكمة والشفافية في تسيير الموارد.. في الوقت الحالي، لم يعد قطاع التعدين في الجزائر مجرد إمكانات غير مستغلة، بل أصبح مشروعا اقتصاديا متكاملا في طور التشكل. ومع تسارع وتيرة الإنجاز، تبدو الجزائر أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق هدفها في الانضمام إلى مصاف الدول الناشئة، مستندة إلى ثروات طبيعية لا تنضب، ورؤية تنموية تسعى إلى تحويل هذه الثروة إلى قوة اقتصادية مستدامة.
تغيــيرنمــــط الشراكات الاقتصاديــة
وبالتوازي مع هذا التوجه الاستراتيجي، يبرز مشروع منجم تالة حمزة – وادي أميزور، كأحد أهم النماذج العملية التي تجسد دخول الجزائر الفعلي إلى مرحلة التعدين الصناعي واسع النطاق. فقد شكل إطلاق المشروع في 17 مارس 2026 نقطة تحوّل نوعية، ليس فقط من حيث حجم الاستثمار، بل من حيث دلالاته الاقتصادية التي تعكس انتقال البلاد من مرحلة الإمكانات الكامنة إلى مرحلة الاستغلال الفعلي للثروات بفضل رؤية حكيمة وتوجيهات دقيقة من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
ويقع هذا المنجم بولاية بجاية، ويصنّف ضمن أكبر المشاريع التعدينية في إفريقيا والعالم، بفضل احتياطات ضخمة تقدر بنحو 54 مليون طن، منها 34 مليون طن قابلة للاستخراج، مع تركيبة معدنية عالية الجودة يغلب عليها الزنك بنسبة 78 بالمائة إلى جانب الرصاص بنسبة 22 بالمائة. هذه الأرقام لا تعكس فقط وفرة الموارد، بل تؤكد القيمة الصناعية للمشروع، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد على المعادن الأساسية.
ويمتد المشروع على مساحة تفوق 23 هكتارا، ما يجعله ضمن أكبر 10 مناجم في العالم من حيث الاحتياطيات، وهو تصنيف يمنح الجزائر دفعة قوّية نحو التموقع في مقدمة الدول المنتجة، خصوصا مع احتلالها مراتب متقدمة عالميا في احتياطات الزنك.. الأهم من ذلك، أن المنجم يحتل المرتبة السابعة عالميا من حيث الإنتاج، بطاقة سنوية تصل إلى 170 ألف طن، وهو ما يضع الجزائر مباشرة ضمن كبار المنتجين دون المرور بمسار تدريجي طويل، في سابقة نادرة بقطاع التعدين.
ويعكس المشروع توجها جديدا في نمط الشراكات الاقتصادية، حيث يتم تطويره من خلال تعاون بين مجمع سوناريم وشركة أسترالية، ضمن شركة مختلطة تحتفظ فيها الجزائر بحصة الأغلبية بنسبة 51 بالمائة، وهو ما يضمن سيادة وطنية على الموارد مع الاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا الأجنبية.
ولا تتوقف أهمية منجم تالة حمزة عند حدوده الإنتاجية، بل تمتد إلى دوره في مواكبة التحوّلات العالمية في مجال الطاقة؛ فالزنك الذي يشكل المكوّن الرئيسي في المنجم، أصبح عنصرا استراتيجيا في الصناعات المرتبطة بالطاقات المتجددة، حيث تتطلب مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كميات معتبرة منه، إلى جانب استخدامه المتزايد في تقنيات تخزين الكهرباء، التي يُتوقع أن يتضاعف الطلب عليها بشكل كبير بحلول عام 2030.
ويكتسب المشروع بعدا استراتيجيا يتجاوز الاقتصاد الوطني، ليضع الجزائر ضمن سلاسل التوريد العالمية للمعادن المستقبلية، خاصة في ظل تسارع التحول الطاقوي على المستوى الدولي. ومع تزايد الحاجة إلى مصادر موثوقة ومستقرة، يبدو أن منجم تالة حمزة مرشح ليكون أحد الأعمدة الأساسية في سوق المعادن العالمية. ومع استمرار إطلاق مشاريع مماثلة، تقترب الجزائر أكثر من ترسيخ مكانتها كقوة تعدين صاعدة، قادرة على تنويع اقتصادها والانخراط بثقة في اقتصاد عالمي متغير.






