الرّقمنـة وضعـت نقطـة النهايـة للبيروقراطية وفسحــت للاستثمــار الفلاحـي
موسم حصاد 2026 سيكون نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفلاحة بالجزائر
تعميم المكننة وإنشاء تعاونيات يُسهمان في رفع الإنتاج وتقليص الاستيراد
تعد قرارات مجلس الوزراء الأخيرة خطوة استراتيجية حاسمة، من شأنها أن تُسهم بشكل مباشر وملموس في تعميم المكننة الفلاحية، وذلك من خلال اعتماد إطار تنفيذي متكامل يرتكز على الرقمنة والإحصاء الدقيق للأراضي والمزارعين، بما يضمن توزيع العتاد بكفاءة وفعالية، كما تساهم في تحسين مردودية القطاع الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي على المدى المتوسط والبعيد.
قال رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن، لـ»الشعب»، إنّ هذه القرارات ستفعّل إنشاء المجلس الوطني للمكننة الفلاحية، والذي يرتقب أن يكون هيئة تابعة للمجلس الوطني الأعلى للفلاحة والأمن الغذائي، وأوضح أنّ الهدف هو تحقيق السيادة الفعلية في وسائل الإنتاج، من خلال إنشاء مصانع محلية لتصنيع الجرارات والحصادات الآلية وأنظمة الري الدقيقة، بما يساهم في تقليص الاعتماد على الخارج بنسبة 70 بالمائة خلال ثلاث سنوات، مع تحقيق قيمة مضافة مستدامة.
وأضاف – في السياق ذاته – أنه خلال موسم الحصاد القادم (صيف 2026)، سيتم توزيع 5,000 وحدة مكننة حديثة مدعومة بقروض ميسّرة بنسبة 80 بالمائة مستهدفة 100,000 هكتار في الشمال والهضاب، مع دمج تقنيات الزراعة الحافظة مثل الحرث المباشر (نوتيل) الذي يحافظ على رطوبة التربة بنسبة 30 بالمائة ويقلّل الانجراف بنسبة 90 بالمائة، كما أثبتت دراسات «الفاو» في المناطق الجافة.
كما ستعزّز هذه القرارات -يقول المتحدث- الاستثمار في الرقمنة عبر تطبيق نظام «جيس» الجغرافي لتحديد الأراضي الأكثر إنتاجية، مع برامج تدريبية لـ50,000 فلاح تغطي استخدام الآلات الذكية المزودة بـ»آل» للكشف عن الأمراض والري الدقيق، ممّا يرفع مردود الحصاد بنسبة 25-40 بالمائة في المحاصيل الرئيسية مثل القمح والشعير.
كما ستنشئ تعاونيات محلية -يضيف الخبير- لإدارة العتاد المشترك، ممّا يقلل التكاليف الفردية بنسبة 50 بالمائة ويسرّع عمليات الحصاد من 10 أيام إلى 3 أيام لكل 100 هكتار، هذا النهج الكلي، المدعوم بتجديد الهياكل الاقتصادية وتشبيب القطاع بـ10,000 شاب متخصّص، سيقضي على الذهنيات القديمة ويحقّق سيطرة فعلية على الاستثمار، مع ضمان إنتاج عضوي صحي يحمي الموارد المائية من خلال أنظمة الري بالتنقيط، التي توفر 40 بالمائة من المياه مقارنة بالري التقليدي.
وأكّد كريم حسن أنّ موسم الحصاد القادم نقطة تحول، حيث يصل الإنتاج الوطني إلى 5 ملايين طن من الحبوب، محقّقا أمنا غذائيا مستداما، ويفتح آفاقا أوسع لتقليص الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
وقال الخبير، لضمان عدالة وكفاءة في توزيع المكننة، يتم الاعتماد على معايير علمية ومهنية دقيقة، مستمدة من دراسات دولية مثل تلك الخاصة بـ»الفاو «والبنك الدولي، مع تكييفها على الواقع الجزائري، وتعتمد على بيانات الرقمنة الشاملة، حيث تحدّد هذه المعايير عبر نظام نقاطي (من 0 إلى 100) يُدار بواسطة المجلس الوطني للمكننة، ويشمل المعيار الأول إمكانية الأرض (40 نقطة): قياس خصوبة التربة عبر تحاليل كيميائية (pH بين 6-8، محتوى عضوي >2بالمائة) ومساحة الأرض (>10 هكتارات)، مع التركيز على الأراضي الشمالية والهضاب المناسبة للزراعة الحافظة، كما تقلّل المكننة الإنجراف بنسبة 80 بالمائة كما في تجارب المكسيك.
أمّا المعيار الثاني فيتعلق بكفاءة المياه والاستدامة (25 نقطة) حيث تعطى الأولوية للمزارع ذات معدّل استهلاك ماء <5000 م³/هكتار سنويا، مدعومة بتقارير ميدانية من الخبراء المحليين الذين يدمجون في المجالس الوطنية، لضمان الحفاظ على الموارد المائية. ويشمل المعيار المهني الثالث: الخبرة والالتزام (20 نقطة): تاريخ الإنتاج (>3 سنوات ناجحة)، مشاركة في تعاونيات، وتدريب على المكننة (شهادات معتمدة)، مع ردّ الاعتبار للخبراء الميدانيين كأعضاء دائمين في الجلسات لتقييم الواقع اليومي، أمّا المعايير الإضافية (15 نقطة) فتشمل حجم الإنتاج السابق، الالتزام بالإنتاج العضوي، والموقع الجغرافي لتقليل تكاليف النقل.
وأوضح الخبير أنّ هذا النظام يطبّق عبر منصة رقمية مركزية، مع استشارة المنظمات المهنية الفلاحية في كل جلسة وطنية، وتفعيل مكاتب الدراسات الفنية بموجب المراسيم الرئاسية لإعداد تقارير عالية الجودة، ممّا يضمن أولوية للفلاحين الذين يعيشون مع الأرض ويحلّون مشاكلها اليومية، محقّقين قيمة مضافة مستدامة دون هدر.
أمّا بخصوص التعاونيات الخاصة بالمكننة والعتاد الفلاحي، سيتم إنشاء هذه التعاونيات عبر خطة تنفيذية محلية متدرجة، تبدأ من المستوى الولائي وتنتهي بالقاعدة الجماعية، تحت إشراف المجلس الوطني للمكننة، مع تخصيص 20 مليار دينار لعام 2026 لإنشاء 500 تعاونية في الشمال والهضاب.
الخطــــوات الرئيسيـة
تمرّ العملية – يقول محدثنا – عبر ثلاث مراحل، حيث تتعلّق المرحلة الأولى والتي تقدّر مدتها بثلاثة أشهر بتسجيل التعاونيات عبر منصة رقمية بسيطة، مدعومة ببروتوكولات مع المنظمات المهنية، مع تدريب 2,000 قائد محلي من الخبراء الميدانيين، أمّا المرحلة الثانية فتتعلق بشراء عتاد مشترك (جرارات، حصادات) بتمويل جماعي، مع إنتاج محلي من المصانع الجديدة لضمان السيادة، في حين المرحلة الثالثة تشمل الدمج مع التأمينات والتسويق، لربط الإنتاج العضوي بالأسواق.
ويتمثل دورها الحاسم في تقليص البيروقراطية من خلال تبسيط الإجراءات، حيث يتم الانتقال من 15 خطوة إدارية إلى 3 خطوات فقط (التسجيل، التمويل، التوزيع)، ما يساهم في توفير 60 بالمائة من الوقت والتكاليف، كما تعزّز التنظيم عبر إدارة مركزية رقمية تربط كل 100 مزارع بتعاونية واحدة، مع اعتماد الزراعة الحافظة لضمان إنتاج صحي ومستدام.
ويأتي هذا التوجه – يفيد الخبير – في إطار تجديد الذهنيات وتشبيب القطاع، مع تحقيق تنظيم مهني قائم على الخبرة الميدانية، وتطبيق المراسيم الرئاسية الخاصة بمكاتب الدراسات لضمان جودة فنية عالية، ومن شأن هذه الحلول المتكاملة، أن تحوّل القطاع إلى نموذج إقليمي ناجح.
وتساهم هذه المقترحات، في تعزيز المكننة وخلق تعاونيات مهنية واعتماد الزراعة الحافظة لرفع الإنتاجية مع الحفاظ على الموارد، خاصة في الشمال والهضاب العليا، كما تهدف إلى إعطاء نفس جديد للقطاع عبر إشراك الخبراء الميدانيين والمنظمات المهنية، وتفعيل مكاتب الدراسات لتحسين تنظيم النشاط الفلاحي.
وتمّ تطوير برنامج «شباب الفلاحة» ليكون مرنا ويستهدف الشباب دون 35 سنة، من خلال تدريبهم على قيادة الآلات الفلاحية، وتطبيق تقنيات الزراعة الحافظة، إضافة إلى دعم إنشاء تعاونيات لكراء العتاد بتمويل ميسّر، مع اعتماد الرقمنة في التسيير.
وينفذ البرنامج – يقول الخبير – بإشراف المجلس الوطني للمكننة وبالشراكة مع الفاعلين في القطاع، مع تمويل يجمع بين الدولة والشركاء، بهدف رفع الإنتاج الوطني وتوسيع النشاط نحو الجنوب باستخدام الطاقات المتجدّدة، بما يعزّز منظومة فلاحية قوية ومستقلة.






