صارت «مزارع النقر» العمود الفقري لمنظومات التزييف الرقمي.. هي منشآت تهدف إلى توليد تفاعلات وهمية ومضللة، وقد أبرز بيان السلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري رمضان الفائت خطر هذه «المزارع»، حيث حذر من تلاعبها بنسب مشاهدة الدراما الرمضانية لتضليل المعلنين. ويسلط هذا التحذير الرسمي الضوء على ممارسة تقنية كانت تُدار في الخفاء، وأصبحت تهدد مصداقية المحتوى الرقمي وتستوجب فهما دقيقا لآلية عملها وتبعاتها القانونية، والاقتصادية، والأخلاقية.
شهرَ رمضان المنقضي، أصدرت السلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري بيانا رسميا حذّرت فيه من اللجوء إلى ما يُعرف بـ»مزارع النقرات» لزيادة رواج المسلسلات والبرامج الرمضانية على منصات التواصل الاجتماعي ويوتيوب. وأكدت السلطة في بيانها أن التلاعب بنسب المشاهدة عبر هذه الوسائل يعد تضليلا للمعلنين والرأي العام، ويدخل في خانة الممارسات غير الشريفة التي تعطي انطباعا زائفا حول نجاح المحتوى أو جماهيريته.
وقالت السلطة الوطنية حينها إنها سجلت «بقلق بالغ تزايد بعض السلوكيات التي تقوم على تضخيم مؤشرات المتابعة والتفاعل عبر المنصات الرقمية بوسائل مصطنعة من خلال شراء المتابعين أو الاستعانة بما يعرف بـ»مزارع النقرات» بهدف خلق انطباع مضلل حول الحجم الحقيقي للجمهور»، وأكدت أن مثل هذه الأساليب «لا تمثل مجرد تلاعب تقني، بل تندرج ضمن ممارسات من شأنها الإضرار بشفافية السوق الإعلانية وتؤثر مباشرة على قرارات المعلنين الذين يعتمدون في استثماراتهم على مؤشرات غير دقيقة، بما يؤدي إلى إهدار الموارد المالية وتقويض الثقة في البيئة الإعلامية». كما شدّدت على أن «تضخيم مؤشرات التفاعل أو تقديم معطيات غير موثوقة حول نسب المتابعة قد يندرج ضمن ممارسات الإشهار التضليلي المحظور بموجب المادة 51 من دفتر الشروط، لما يشكله من مساس بمبادئ المنافسة النزيهة التي تحرص السلطة على حمايتها».
و»إدراكا منها لحساسية الفترات ذات الكثافة الإشهارية، سيما خلال شهر رمضان المبارك» حذّرت السلطة الوطنية «من تداول القوائم والتصنيفات التي تروج لترتيب القنوات التلفزيونية أو الأعمال الفنية تحت مسمى (الأكثر مشاهدة) دون الاستناد إلى أدوات قياس معتمدة».
وقد سلط هذا التحذير الرسمي الضوء على ممارسة تقنية كانت تُدار في الخفاء، لكنها أصبحت اليوم عصب الحياة لمنظومات التزييف الإلكتروني. فما المقصود بمزارع النقر؟
تسويق الانتشار الوهمي
تعد مزارع النقر(Click Farms) واحدة من أكثر الظواهر الرقمية تعقيدا وإثارة للجدل في العصر الحديث، حيث تُمثل الوجه الخفي والمظلم للاقتصاد القائم على البيانات والتفاعل الافتراضي. يمكن تعريف هذه المزارع بأنها منشآت تقنية منظمة، تعتمد على كثافة عمالية بشرية أو أنظمة برمجية مؤتمتة، وغالبا ما تتخذ من غرف ومستودعات سرية مقراً لها، وتضمّ آلاف الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المتصلة بالإنترنت. والهدف الجوهري لهذه الكيانات هو توليد حركة مرور وهمية وتفاعلات مصطنعة على منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، وذلك لمحاكاة السلوك البشري الطبيعي بهدف خداع الخوارزميات. ولا تقتصر هذه الممارسات على كونها مجرد «خدع تقنية»، بل هي صناعة غير مشروعة بمليارات الدولارات، تسعى إلى تزييف الواقع الرقمي وبيع «الوهم» لمن يرغب في شراء الشهرة أو التأثير أو حتى تدمير المنافسين.
تعتمد آلية عمل هذه المزارع على بنية تحتية تقنية وهيكلية بشرية تتحدى أنظمة الحماية الرقمية الأكثر تطورا. في هذه المقرات، التي تتركز جغرافيا في دول نامية ذات تكلفة عمالة منخفضة (خاصة دول شرق وجنوب شرق آسيا)، تُرص مئات الهواتف على رفوف معدنية ضخمة موصلة بأسلاك شحن دائمة. ويكمن السر التقني في استخدام «بوابات شرائح الاتصال» (SIM Boxes) التي تحتوي على آلاف شرائح الاتصال (SIM Cards) النشطة لتوفير عناوين بروتوكول إنترنت (IP) مختلفة لكل جهاز، ما يجعل النشاط يبدو وكأنه صادر من مستخدمين حقيقيين مشتتين جغرافيا. وبينما تُدار بعض العمليات عبر برامج التحكم المركزي (Mass Control Software) التي تسمح لمشغل واحد بإصدار أوامر لآلاف الحسابات بـ «الإعجاب» أو «المشاركة» في لحظة واحدة، تعتمد مزارع أخرى على «الجهد البشري المباشر»، حيث يقوم عمال يتقاضون أجورا زهيدة بالنقر يدويا وكتابة تعليقات مخصصة لتجاوز أنظمة كشف الروبوتات (Bots) التي تطورها شركات مثل غوغل وميتا.
تتنوع مهام مزارع النقر لتشمل تزييف التفاعل الاجتماعي عبر تضخيم أعداد المتابعين والمشاركات، والتلاعب بتقييمات التطبيقات والمنتجات على منصات كبرى مثل أمازون و»غوغل بلاي» لرفع ترتيبها وضمان ظهورها في النتائج الأولى. كما تبرز خطورتها القصوى في «الاحتيال الإعلاني»، حيث تقوم هذه المزارع بالنقر المتكرّر على الإعلانات الممولة للمنافسين لاستنزاف ميزانياتهم دون تحقيق أي عائد حقيقي، أو لزيادة أرباح المواقع المستضيفة للإعلانات بطرق غير شرعية. أبعد من التجارة، يمكن أن تُستخدم هذه المزارع كأدوات سياسية لنشر المعلومات المضللة وتضخيم الرسائل الحزبية خلال الانتخابات، ما يؤدي إلى خلق انطباع زائف بالإجماع الشعبي حول قضية ما، وهو ما يهدد جوهر الممارسة الديمقراطية ونزاهة النقاش العام.
من الناحية القانونية والتبعات الاقتصادية، تُصنف مزارع النقر كنوع من الاحتيال الرقمي والغش التجاري، وتشير إحصاءات عالمية (2025) إلى أن الاحتيال الإعلاني الرقمي يكلف المعلنين والشركات ما يقارب 35 إلى 40 مليار دولار سنويا، وهي أموال تُهدر في تفاعلات لا وجود لها في الواقع. بل وترفع بعض التقارير هذا الرقم إلى 100 مليار دولار (كخسائر إجمالية تشمل الفرص الضائعة وتكاليف الحماية والبيانات المغلوطة).
واستجابة لهذا التهديد، بدأت السلطات في دول مثل الصين وتايلاند بشن حملات أمنية واسعة؛ ففي الصين مثلا، رصدت التقارير وجود مزارع كبرى تضمّ الواحدة منها أكثر من 17 ألف هاتف ذكي. واستجابةً لهذا التهديد، شددت بكين قوانين مكافحة المنافسة غير الشريفة بفرض غرامات ثقيلة ضد المتورطين في تزييف الرواج الرقمي.. وفي إحدى المداهمات الشهيرة في تايلاند (2017)، تمّ ضبط ما يقارب 500 هاتف ذكي و350 ألف شريحة اتصال غير قانونية. وشهد عام 2023 تحولا تقنيا بارزا في مزارع النقر بفيتنام، بالانتقال من استخدام الهواتف التقليدية إلى ما يُعرف بـ»صناديق اللوحات الأم Box Phone Farms»، وتعتمد هذه الآلية على تجريد آلاف الأجهزة من شاشاتها وهياكلها والإبقاء فقط على وحدات المعالجة المركزية داخل صناديق معدنية مدمجة، واستُخدمت هذه المزارع لتوليد ملايين التفاعلات والمشاهدات الزائفة على منصات «فيسبوك» و»تيك توك» لصالح المؤثرين والشركات الراغبة في صعود «الترند» قسراً.
كما تشنّ الشركات التقنية الكبرى حروبا قانونية مستمرة، حيث رفعت شركة «ميتا» دعاوى قضائية ضد كيانات في دول منها الولايات المتحدة نفسها تبيع خدمات المتابعات الوهمية، مطالبة بتعويضات بملايين الدولارات نتيجة الضرر الذي يلحق بموثوقية منصاتها. مع ذلك، يظل التحدي القانوني قائما بسبب قدرة هذه المزارع على الانتقال بين الدول «ذات التشريعات الضعيفة»، ما يجعل ملاحقتها دوليا عملية معقدة تتطلب تعاونا تقنيا وقانونيا عابراً للحدود.
ومع تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن تصبح هذه المزارع أكثر قدرة على محاكاة السلوك البشري بدقة أعلى، وقد يضع ذلك الشركات التقنية والمستخدمين أمام تحدٍ مستمر يستلزم وعيا نقديا وتطويرا دائما لأدوات التحقق الرقمي.
حفاظاً على مصداقية الإنتاج الدرامي الوطني
بالعودة إلى السياق الجزائري، وبالتحديد ما حذّرت منه السلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري في بيانها، يمكن القول إن استخدام مزارع النقر لم يعد مجرد «تحايل تقني» عابر، بل هو تجاوز واضح للقانون. وبالفعل، كانت السلطة الوطنية، في بيانها، قد ذكّرت جميع متعهدي خدمات الاتصال السمعي البصري، بما فيها تلك الناشطة عبر الإنترنت، بمقتضيات المادة 41 من المرسوم التنفيذي رقم 24-250 التي تحصر إعلان نسب المشاهدة أو الاستماع في المعلومات الصادرة عن مؤسسات مختصة ومعتمدة (نص المادة 41: «تلتزم أي خدمة اتصال سمعي بصري و/ أو خدمة اتصال سمعي بصري عبر الإنترنت بأن تكون المعلومات المتعلقة بقياس نسبة المشاهدة أو الاستماع لبرامجها صادرة عن مؤسسات مختصة في هذا المجال»). وعليه، شدّدت السلطة على أن «النشر أو الترويج لمعطيات لا تستند إلى منهجيات قياس معترف بها، يعد تضليلا للرأي العام وللمتعاملين الاقتصاديين».
كما وضّحت السلطة أنه «في ظلّ عدم وجود مؤسسة وطنية مختصة ومعتمدة في سبر الآراء وقياس نسب المشاهدة وفق معايير علمية موحدة في الجزائر، فإن ما يتمّ تداوله من نتائج وبيانات لا يمكن اعتباره مرجعا موثوقا، وغالبا ما يستعمل لتبرير تضخيم أسعار المساحات الإشهارية أو ممارسة ضغط تجاري غير مبرر على المعلنين».
ويتعدى ضرر «مزارع النقرات» تجاوز النص القانوني إلى ضرب مصداقية الإنتاج الدرامي الوطني، وحرمان الأعمال الجادة من نيل حقها الطبيعي في النجاح القائم على الاستحقاق، وتحويل الساحة الإعلامية إلى حلبة لصراع «الخوارزميات الوهمية» بدلاً من سباق الإبداع والجودة. وعليه، قد يكون إنشاء المؤسسة الوطنية المختصة والمعتمدة في سبر الآراء وقياس نسب المشاهدة التي تحدثت عنها سلطة الضبط، حلا من الحلول لتفادي تفشي هذه الظاهرة على المستوى الوطني.. وفي انتظار ذلك، يبقى الرهان اليوم على وعي المُعلِن والمُشاهد معا في التمييز بين النجاح الجماهيري الحقيقي وبين «فقاعة رقمية» صُنعت في «أقبية مأجورة».





