اتفاقياتنا لبنات صلبة في صرح التضامن والإخاء بين الشعبين الشقيقين
عازمون على تذليل الصّعوبات التي تعيق مسار التعاون خدمة لمصالحنا المشتركة
المكاسب المحقّقة تتطلّب تعزيزها عبر توفير شروط تطويرها المستدام
اختتمت أشغال الدورة العشرين للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية-الموريتانية للتعاون، أمس، في أجواء أخوية تميّزت بالانسجام وروح الشراكة، وقد شكّلت هذه الدورة مناسبة لتقييم علاقات التعاون الثنائي وتعزيزها في مختلف المجالات الاقتصادية، الثقافية، والأمنية، وتوّجت بالتوقيع على مجموعة من الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم والبرامج التنفيذية، التي ستُسهم في توسيع أطر الشراكة وتعميق أواصر التضامن بين الشعبين الشقيقين.
قال الوزير الأول، سيفي غريب، خلال اختتامه أشغال الدورة المشتركة الجزائرية الموريتانية رفقة نظيره الموريتاني، المختار ولد أجاي، إنّ التعاون الجزائري الموريتاني يعكس الإرادة المشتركة في الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى أعلى مراتب الشراكة، والطموح الراسخ في الوصول بها إلى مرحلة التكامل الاندماجي والاستراتيجي.
وأشاد الوزير الأول بالنتائج التي ستشكّل لبنات جديدة في تعميق أواصر التضامن والإخاء والتعاون التي تربط الشعبين الشقيقين، وتوسيع وتنويع محاور التعاون والشراكة بين بلدينا.
وأفاد غريب أنّ هذه الدورة تنعقد تنفيذا لتعليمات وتوجيهات قائدي البلدين، رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وأخيه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وذلك بهدف إجراء تقييم شامل وموضوعي وعميق لمختلف جوانب التعاون الثنائي، ومتابعة مدى تنفيذ القرارات والتوصيات منذ أشغال الدورة التاسعة عشرة للجنة المشتركة الكبرى، المنعقدة بنواكشوط في 14 سبتمبر 2022، وأكّد أنّ هذه الدورة ستضفي حركية إيجابية متجدّدة على علاقاتنا الثنائية، التي طالما ميّزها التضامن والتعاون المثمر، حتى أضحت في الوقت الراهن جديرة بأن تكون نموذجا للعلاقات البناءة، حيث عرفت وتيرة هذه العلاقات تطورا متناميا خلال السنوات الأخيرة في شتى المجالات والأصعدة.
وأشار غريب إلى المكتسبات الهامة التي تحقّقت في سبيل تعميق العلاقات الاقتصادية وتوسيع المبادلات التجارية والمالية، عبر إطلاق مجموعة من المشاريع المهيكلة والحيوية، على غرار تدشين المركزين الحدوديين اللذين باتا يشكّلان جسرا للتواصل الإنساني بين البلدين، ومشروع الطريق البرّي تندوف-الزويرات الذي انطلقت أشغال إنجازه وبلغت مراحل مشجّعة، وهو ما سيُسهم في تسهيل تنقل المواطنين وانسيابية السلع بين البلدين، بالإضافة إلى مشروع المنطقة الحرّة للتجارة، ناهيك عن إقامة أول بنك جزائري بموريتانيا، وفتح وكالات له ببعض المدن الموريتانية، يضاف إلى ذلك المشاريع المهمة التي تقودها الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية بموريتانيا، وكذا العدد المعتبر من منح التكوين المقدمة في مجالات التعليم العالي والتكوين المهني والطاقة والصحة والرقمنة، وغيرها من الميادين الحيوية والهامة. وفي مجال التعاون الأمني، قال غريب إنّ البلدين يعملان على التنسيق في مجال مكافحة مختلف التهديدات الأمنية على مستوى المناطق الحدودية، من جريمة منظمة وإرهاب وهجرة سرية وتهريب المخدرات وغيرها، وهو ما تجسّد خلال الدورة الثانية للجنة الأمنية المشتركة يومي 9 و 10 جويلية 2025 بالجزائر، التي سمحت بتقييم دقيق للوضع الأمني على المستوى الإقليمي والشريط الحدودي ورسم أفق ترقية التعاون في هذا المجال الهام. وفي المجال الاقتصادي، أكّد الوزير الأول أنّ العلاقات شهدت تحوّلا تدريجيا متناميا نحو تجسيد شراكات حقيقية تحاكي إمكانات واحتياجات البلدين، وتعكس مقاربة جديدة في توجيه هذا التعاون عبر توسيع مجالاته، ليشمل قطاعات الصحة والصناعة الصيدلانية والطاقة والصيد البحري والنقل والفلاحة، للاستفادة من الإمكانات الكبيرة والمقدّرات الهامة للبلدين، واستغلالها بشكل أمثل في خدمة الشعبين الشقيقين. فضلا عن ذلك، أكّد غريب على أهمية الرفع من وتيرة المبادلات التجارية البينية وتنويع تركيبتها السلعية التي مازالت دون مستوى طموحات البلدين، خاصة في سياق الآفاق الواعدة التي يتيحها مشروع الطريق البرّي تندوف-الزويرات والخط البحري الرابط بين البلدين، وكذا أهمية تعزيز حركة تدفّق الاستثمارات المباشرة بين البلدين، ناهيك عن تعزيز التعاون اللامركزي وتنمية المناطق الحدودية.
التوافق على إنشاء مركز ثقافي مشترك
أمّا على الصعيد الثقافي، فقد حقّقت علاقات التعاون – يضيف الوزير – خطوات مهمة تجسّدت من خلال التوافق على إنشاء مركز ثقافي جزائري بموريتانيا، وهو ما سيُسهم من دون شكّ في تعزيز العلاقات الثقافية والروحية بين شعبي البلدين. كما تجسّدت مشاريع التعاون في المجال الثقافي، من خلال التعاون في ترقية الثقافة الحسانية بالتنسيق مع الجمهورية العربية الصّحراوية الديمقراطية، والمشاركة المتبادلة في معرضي الكتاب المنظمين في البلدين، كما تعكف الجزائر على تقديم المساعدة للشقيقة موريتانيا في إنشاء حظيرتين ثقافيتين بولايتي أدرار وتكانت. من جانب آخر، فإنّ المكاسب المحقّقة تتطلّب – بحسب الوزير الأول – ضرورة تعزيزها عن طريق توفير شروط تطويرها وتذليل الصّعوبات التي تعيق مسارها، ومن هذا المنطلق، تمّ الوقوف على مختلف العراقيل والصّعوبات التي لا زالت تعيق مسيرة التعاون الثنائي، وهو ما دفعنا لاتخاذ جملة من التوصيات لرفعها، خدمة للمصالح المشتركة للبلدين. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، أفاد غريب أنّ الدورة سمحت باستعراض مجمل القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، والتي سجّل بشأنها توافقا في الرؤى، مع تأكيد الإرادة المشتركة والصادقة للعمل سويا من أجل تنسيق مواقف البلدين، بما يحقّق الأمن والاستقرار في منطقتنا. وأبدى غريب استعداد الجزائر التام للعمل مع الشقيقة موريتانيا، من أجل تعزيز التعاون الثنائي ومواصلة التنسيق والتشاور حول مختلف التحديات المشتركة، بما يحقّق لبلدينا ولمنطقتنا مزيدا من الاستقرار والاندماج والنماء.
ظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسيّة
كما أوضح الوزير الأول إن علاقات التعاون والشراكة بين البلدين الجارتين والشقيقين بلغت مستويات متميّزة، إذ تشهد إنجازات جديدة واتصالات كثيفة وتشاورا وتنسيقا متواصلين، من خلال تبادل الزيارات الرسمية على مختلف المستويات، وهذا عملا بالتوجيهات السامية لقائدي البلدين، رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وأخيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وتجسيدا لإرادتهما الراسخة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى أسمى المراتب. وأضاف الوزير الأول: تلتئم هذه الدورة في ظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسيّة، تطبعها تحديات أمنية متعاظمة، تفرض علينا أكثر من أي وقت مضى، تعزيز التنسيق والتعاون وفق رؤية متكاملة ومتبصرة، ترتكز على الحوار والتنسيق وتبادل التجارب والخبرات خاصة بين أجهزتنا الأمنية.واستطرد الوزير الأول: «لا تقتصر الديناميكية المتسارعة التي تشهدها العلاقات الثنائية على الجانب العسكري والأمني فحسب، بل تعدتها إلى مجالات أخرى هامة على غرار التعاون البرلماني، الذي شهد يومي 13 و14 فيفري 2026، انعقاد الدورة الأولى للجنة البرلمانية الكبرى، ويعكس إنشاء هذه الآلية المكانة الخاصة التي تحظى بها العلاقات الثنائية، حيث تعد موريتانيا أول دولة يؤسّس معها آلية رفيعة المستوى في هذا المجال».وتحدّث في هذا المقام، عن الخطوات العملية والمتقدمة لإنجاز المشاريع التكاملية والاندماجية، التي اتفق رئيسا البلدين على إطلاقها، وهو ما جعل من الحدود الجزائرية-الموريتانية اليوم مجالا للتكامل الاقتصادي، الذي يشهد نموا ملموسا، عزّزه فتح المعبرين الحدوديين تحت إشراف قائديْ البلدين في فيفري 2024.
تصوّر مشترك لإرساء تعاون طاقوي ومنجمي مفيد
أكّد الوزير الاول، أنّ التعاون في المجالات الاقتصادية والفنية يشكّل ركيزة مهمة في بنية العلاقات الثنائية، وهو ما تعكسه الحركية التي يشهدها التعاون في العديد من المجالات الحيوية وعلى رأسها قطاع الطاقة، حيث تجدّد الجزائر التأكيد على استعدادها التام لتقاسم خبراتها التقنية والصناعية، ومرافقة الأشقاء في موريتانيا في مساعيهم الرامية إلى تعزيز قدراتها الوطنية في مجالات استكشاف وإنتاج المحروقات وتطوير مشاريع الغاز وسلسلة القيم ونشاطات المصب، أمّا في ميدان المناجم، فقد آن الأوان للبلدين وضع تصوّر مشترك لإرساء تعاون مفيد للطرفين.
على الصعيد التجاري، صرّح الوزير الأول، أنّ التبادل التجاري بين البلدين حقّق بعض التقدّم في السنوات القليلة الماضية، ليصل إلى غاية 447.8 مليون دولار في 2023، وناهز حوالي 352 مليون دولار سنة 2025، ممّا يتعين مواصلة العمل من أجل رفع وتنويع المبادلات التجارية، خاصة في ظل توفّر الإرادة السياسية وحيازة البلدين على إمكانات ومزايا هامة، وفي مقدّمتها الجوار الجغرافي ووجود خط بحري لنقل السلع والبضائع، دخل حيّز الخدمة منذ فيفري 2022.أكّد غريب على أهمية دراسة سبل تعزيز هذه الحركية ومرافقتها، خاصة من خلال تفعيل جمركة السلع والبضائع الجزائرية على مستوى المعبر الحدودي البرّي الموريتاني، بالإضافة إلى ضرورة استكمال دراسة مشروع الاتفاق التجاري التفاضلي الذي يشكّل فرصة هامة، يمكن أن تساهم في تطوير وانسيابية الحركية التجارية، خاصة مع الدخول المرتقب لمشروع المنطقة الحرّة للتبادل التجاري والصناعي حيّز الخدمة.وأشار غريب إلى عوامل أخرى ستساهم في دعم حركية المبادلات التجارية، على غرار المعرض الخاص بالمنتجات الجزائرية، المنظم سنويا بنواكشوط، والذي حقّقت طبعتُه السابعة، المنعقدة في ماي 2025، أرقاما جيدة تبعث على التفاؤل، من خلال مشاركة أزيد من 219 شركة جزائرية، إضافةً إلى عقد الدّورة التاسعة لمجلس الأعمال الجزائري-الموريتاني في نواكشوط في نفس الشهر، والتي تم خلالها التوقيع على أربعة وأربعين (44) اتفاقية.وأفاد الوزير الأول، أنّ الجزائر تتطلّع إلى الارتقاء بمستوى التعاون في مجال الاستثمار إلى المستويات المطلوبة، التي تعكس قوة ومتانة العلاقات الجزائرية – الموريتانية، خاصة مع توفّر المؤسّسات المالية المساعدة على بلوغ هذا المسعى وفي مقدّمتها تواجد «بنك الإتحاد الجزائري» بموريتانيا، داعيا مؤسّسات القطاع العام ورجال الأعمال في كلا البلدين، إلى العمل على استكشاف الفرص الاستثمارية المتاحة للرفع من حجم الاستثمارات البينية التي لازالت متواضعة، لاسيما في إطار مجلس الأعمال الجزائري-الموريتاني الذي سيلتئم على هامش دورتنا هذه.
المساهمة في تكوين الشباب والطلبة الموريتانيين
أمّا في الجانب الإنساني، فأكّد سيفي غريب أنه يشكّل جوهر العلاقة المتينة باعتباره الأساس الحقيقي والقوي للتواصل والتضامن بين البلدين الشقيقين، وامتدادا للروابط الثقافية والروحية التي جمعت البلدين على مرّ العصور، والتي ساهمت في تكوين إرث مشترك جزائري موريتاني، بصفحاته المشرقة التي ما تزال موردا خصبا لتجديد العهد وتوطيد التواصل وتأكيد العزيمة على بناء حاضر ومستقبل مشترك نتطلّع إليه بكل تفاؤل. وأكّد أنّ الجزائر ستواصل -كما عهدتموها- المساهمة في تكوين الشباب والطلبة الموريتانيين في مختلف المجالات، واستمرارا لهذا النهج، فقد بادرت الجزائر برفع حصة موريتانيا بموجب البرنامج التنفيذي المؤطّر حاليا لحركة الطلبة بين البلدين، لتبلغ 350 منحة في طور الماستر والدكتوراه، و60 منحة في مجال التكوين المهني بعنوان سنة 2025-2026، بالإضافة إلى عدد هام من التربّصات والتكوينات قصيرة وطويلة المدى، في قطاعات الطاقة والمالية والعدل والأشغال العمومية والثقافة وغيرها من المجالات الأخرى.
كما أبرز غريب أهمية وضع خارطة طريق، بجدول زمني محدّد، لتجسيد مخرجات هذه اللجنة ومتابعة تنفيذها في كل المحاور، كما حثّ كافة القطاعات والفاعلين في البلدين على الإسراع في إطلاق ديناميكية قوية، من شأنها أن تجعل من التعاون القطاعي قاطرة للتنمية والاستثمار في الجزائر وموريتانيا، وذلك عبر الانتقال من المقاربة الكمّية إلى المقاربة النوعية والكيفية القائمة على تطوير مشاريع في المجالات الحيوية والاستراتيجية، على غرار الطاقة والفلاحة والصيد البحري والثروة الحيوانية والموانئ والإنتاج الصيدلاني، وغيرها من المجالات الهامة الأخرى.






