ترأس رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الإثنين، اجتماع عمل خُصص للوقوف على آخر اللمسات التحضيرية تحسبا لزيارة قداسة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر. وتأتي هذه الزيارة المبرمجة في الفترة الممتدة من 13 إلى 15 أفريل الجاري، لتشكل محطة هامة في مسار العلاقات الثنائية، حيث حرص رئيس الجمهورية على توفير كافة الشروط التنظيمية لضمان سير الحدث وفق المعايير الدبلوماسية الدقيقة.
تعكس هذه الزيارة برأي مراقبين، عمق الرؤية الجزائرية في إرساء دعائم التسامح الديني، وتبرز المساعي الحثيثة لتقريب وجهات النظر بين العالمين الإسلامي والمسيحي. وتعتبر هذه الجولة البابوية الأولى من نوعها لدولة عربية بهذا الحجم والوزن الجيوسياسي خلال العقد الأخير، مما يضع الجزائر عمليا في موضع الجسر الرابط بين الثقافات والأديان. كما أن الدبلوماسية الجزائرية تعتمد على مثل هذه المحطات الهامة كإحدى أدوات القوة الناعمة، لتحقيق مصالحها العليا وفق منطق التعايش السلمي والشراكات الرابحة للجميع، مبتعدة تماما عن لغة الصدامات ومكرسة لمبدأ الحوار البناء واحترام خصوصيات كل أمة.
بالإضافة إلى ذلك، تتوافق الرؤية الاستراتيجية للجزائر بشكل جلي مع المبادئ السياسية والإنسانية التي يدعو إليها البابا ليون الرابع عشر. حيث يتقاطع الطرفان في ضرورة الدعوة المستمرة إلى السلم العالمي، وحل النزاعات الدولية المعقدة بالطرق السلمية وقنوات الحوار الدبلوماسي. وفي نفس السياق، تؤكد الرؤيتان المشتركتان على أهمية احترام الدول، ورفض التدخل ونبذ الحروب بكل أشكالها مع التشديد المستمر على ضرورة احترام القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة كمرجعية أساسية وحيدة لتنظيم العلاقات بين الدول وإحلال العدل.
وقد عُرف البابا قبل انتخابه بتكريس حياته لخدمة الشعوب والتعمق في فهم أبعاد المعاناة الاجتماعية، مما شكل قاعدة صلبة لرؤيته التي تجمع بين العدالة والكرامة الإنسانية. كما أن اختيار الجزائر كأول محطة ضمن جولة إفريقية أوسع، يعكس حرص الفاتيكان على تعزيز الروابط بين الكنيسة والدول الافريقية ويبرز الدور المحوري للجزائر كبوابة استراتيجية ومركز إشعاع ثقافي.
وتتصدر كنيسة القديس أوغسطين في ولاية عنابة قائمة هذه المعالم، حيث يمثل القديس أوغسطين الجزائري الأمازيغي، المولود في مداوروش بسوق أهراس، أحد أهم رموز الفكر الديني، ويعد هذا المفكر من أكبر المؤثرين في الفكر المسيحي خلال العصور الأولى والوسطى، ولا يزال يحتفظ بتأثير كبير في اللاهوت الغربي والفلسفة إلى يومنا هذا. وسيتفقد الحبر الأعظم كذلك المعالم الرومانية القديمة في مدينة هيبون، التي شهدت صياغة أبرز مؤلفاته التي نظرت للعدالة وقيم السلام. وينتظر أن يلتقي البابا بأفراد الجالية المسيحية المقيمة في الجزائر، تقديرا لانسجامهم التام في محيطهم الإسلامي.
ويمكن استثمار الزيارة عمليا من خلال تنظيم فعاليات دولية تسلط الضوء على الإرث المشترك، وتشجيع الحوار المباشر والجاد بين علماء المسلمين ورجال الدين المسيحيين لإنتاج مبادرات تدعم السلم، وتهدف هذه الجهود مجتمعة إلى إيصال رسالة واضحة للعالم مفادها أن الجزائر كانت وستبقى أرضا للوسطية والحوار، تلتقي فيها الحضارات، وتعمل بثبات على بناء جسور التواصل المستدام بين ضفتي المتوسط، مستندة إلى إرثها التاريخي الغني، لتصبح بذلك نموذجا حقيقيا وواقعيا للسلام والتآخي الإنساني الشامل.






