احتضن مركز الدراسات الأندلسية ملحقة تلمسان، ندوة علمية وطنية موسومة بـ»المخطوطات الجزائرية والتحديات الرقمية»، وذلك في إطار الاحتفاء باليوم العربي للمخطوط، وبمبادرة تنظيمية مشتركة جمعت بين المجمع الجزائري للّغة العربية والمركز الوطني للمخطوطات بأدرار، إلى جانب مخبر الدراسات الأدبية والنقدية وأعلامها في المغرب العربي بجامعة جامعة تلمسان.
شهدت هذه التظاهرة العلمية حضورا نوعيا لعدد من المسؤولين الأكاديميين، في مقدمتهم رئيس جامعة تلمسان ورئيساها السابقان، إلى جانب عمداء الكليات ونخبة من الأساتذة والباحثين والمتخصصين في مجال التراث المخطوط، فضلا عن مشاركة أعضاء من المجمع الجزائري للغة العربية، وهو ما أضفى على الندوة طابعا علميا ومؤسساتيا يعكس أهمية الموضوع المطروح، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي باتت تمسّ مختلف مجالات المعرفة.
وفي الجلسة الافتتاحية، أبرز رئيس المجمع الجزائري للغة العربية، الأستاذ الدكتور الشريف مريبعي، ضرورة الانتقال بالمخطوط الجزائري من دائرة الحفظ التقليدي إلى فضاء الاستثمار الرقمي، مؤكدا أن التصنيف والفهرسة والرقمنة تمثل خطوات أساسية لإدماج هذا الإرث الفكري في بيئة معرفية حديثة، تضمن سهولة الوصول إليه وتوسيع دائرة الاستفادة منه.
كما أشار إلى الدور المتنامي للبرمجيات المتخصّصة في إدارة المخطوطات، ولا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم العميق والتعرّف الضوئي على الحروف (OCR)، التي باتت تتيح قراءة النصوص القديمة وتحويلها إلى صيغ رقمية قابلة للبحث والمعالجة، بما يخدم جهود التحقيق العلمي ويعزّز عمل الباحثين.
وتناولت الجلستان العلميتان واقع رقمنة المخطوطات في الجزائر، حيث استعرض المشاركون الجهود المؤسساتية المبذولة والتجارب الميدانية في هذا المجال، مع تسليط الضوء على أبرز التحديات التقنية والبشرية التي تعيق تطوير مشاريع الرقمنة.
كما أكدت المداخلات أهمية تطوير المكتبات الرقمية، واعتماد معايير دقيقة في الفهرسة والتصنيف، إلى جانب توظيف البرمجيات الحديثة في إدارة قواعد البيانات واستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في قراءة المخطوطات وتحليلها.
وشدّد المتدخلون على أن رقمنة المخطوطات تمثل مشروعا وطنيا استراتيجيا لا يقتصر على الحفظ والصيانة، بل يمتد إلى إتاحة المعرفة وتعزيز البحث العلمي، مع الدعوة إلى تكثيف التكوين المتخصّص في مجال علوم المخطوطات الرقمية، وتدعيم التعاون بين المؤسسات الجامعية ومراكز البحث والهيئات الثقافية ذات الصلة. كما أبرزوا ضرورة وضع رؤية وطنية موحدة تسهم في النهوض بالمخطوط الجزائري وإدماجه ضمن المنظومة الرقمية العالمية.
وخلصت المناقشات إلى جملة من التوصيات العملية، تمثلت في دعم البنية التحتية الرقمية الموجهة للعناية بالمخطوطات، وتطوير الكفاءات البشرية المتخصّصة، وتشجيع مشاريع الرقمنة الوطنية، فضلا عن تعزيز التنسيق بين مختلف الهيئات العلمية والثقافية المعنية بالتراث المخطوط، بما يضمن صونه وتثمينه في العصر الرقمي.
وتأتي هذه الندوة لتؤكد أن المخطوط الجزائري يمثل رصيدا حضاريا مهما، وأن الحفاظ عليه لم يعد يقتصر على خزائن الحفظ، بل بات مرتبطا بقدرة المؤسسات العلمية على توظيف التكنولوجيا الحديثة لخدمته وإتاحته للأجيال القادمة.






