تدخل حكومة المخزن ما تبقى من ولايتها في سياق دولي مضطرب ومعقد، عنوانه الأبرز تقلبات الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، واختلال سلاسل الإمداد، وانعكاس ذلك على الاستقرار الداخلي الذي بدأ يهتز على وقع ارتفاع الأسعار وتدني المعيشة.
عند إعداد قانون المالية لسنة 2026، راهنت الحكومة المخزنية على سيناريوهات متفائلة، من بينها اعتماد سعر مرجعي في حدود 60 دولاراً لبرميل النفط، وهو تقدير لم يعد يواكب التحولات المتسارعة في السوق الدولية، خاصة مع تسجيل قفزات محتملة قد تتجاوز عتبة 100 دولار، ما يعني عملياً أن الفاتورة الطاقية مرشحة للارتفاع بشكل كبير، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على توازنات الميزانية العامة، وعلى كلفة دعم المواد الأساسية، بل وقد يمتد أثره إلى قطاعات حيوية مثل النقل والكهرباء والإنتاج الصناعي. هذا الاختلال المحتمل لا يقف عند حدود الأرقام، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، من بينها عودة الضغوط التضخمية بقوة إلى الاقتصاد الوطني، في ظل ارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة الطلب على العملة الصعبة، وهو ما قد يضع المغرب أمام معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على التوازنات المالية وضمان استقرار الأسعار، خاصة وأن أي ارتفاع جديد في التضخم سيؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، التي تعاني أصلاً من تداعيات موجات الغلاء المتتالية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، تتجه التوقعات إلى احتمال لجوء الحكومة إلى مراجعة أو تعديل قانون المالية، عبر ضخ اعتمادات استثنائية لتغطية الفارق الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما سيزيد من الضغط على الميزانية العامة، ويطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، خصوصاً تلك المرتبطة بتحسين الأجور أو توسيع برامج الدعم، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تدخلات اجتماعية عاجلة.
وفي ظل هذا الوضع، تجد الحكومة نفسها اليوم أمام عنق الزجاجة، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع التحديات الداخلية، من ارتفاع كلفة المعيشة إلى تصاعد المطالب الاجتماعية، في وقت يضيق فيه هامش المناورة السياسية مع اقتراب نهاية الولاية، وهو ما يجعل أي قرار اقتصادي يحمل كلفة سياسية واجتماعية مضاعفة، خاصة إذا تعلق الأمر بإجراءات تقشفية أو مراجعة لبعض الوعود السابقة.

