ليس كلّ صمتٍ حياد…
فبعض الصمت خيانة.
وحين يُشرَّع الموت بحقّ أسرانا، لا يعود الصمت موقفًا رماديًا يمكن تبريره، بل يتحوّل إلى شريكٍ في الجريمة. نحن أمام لحظةٍ فارقة، لا تحتمل المجاملة، ولا تقبل أنصاف المواقف. قرار إعدام الأسرى ليس بندًا قانونيًا عابرًا، بل إعلانٌ صريح بأن الدم الفلسطيني بات مادةً قابلة للتشريع…وأنّ العدالة قد أُعدِمت قبل أن يُعدم أصحابها.
لكن، وبين فداحة الجريمة…يظهر وجهٌ آخر لا يقلّ قسوة:
وجه التخاذل المتجمّل، والتضامن المزيّف.
ما يجري من وقفاتٍ سريعة، وكلماتٍ مرتجلة أمام الكاميرات، لا يرتقي إلى مستوى الحدث. دقائق من الهتاف، وخطابات محفوظة، وصور تُلتقط…ثم ينصرف الجميع، وكأنّ شيئًا لم يكن. كأنّ الأسرى مجرّد خبرٍ عابر، أو عنوانٍ موسمي يُستدعى عند الحاجة.
الأكثر إيلامًا، أن بعض من يتحدّثون باسم الأسرى، لا يحملون من وجعهم شيئًا.
يقفون أمام العدسات بوجوهٍ مصقولة، يرفعون شعاراتٍ كبيرة، لكنّها خاوية من الفعل. يختبئون خلف مسمّياتٍ فضفاضة، ويُجمّلون مواقفهم بلغةٍ منمّقة، بينما الحقيقة أكثر عُريًا:
لا صدق…ولا التزام…ولا ثمن يُدفع.
لقد تحوّلت القضية عند البعض إلى منصة استعراض،
والأسرى إلى خلفيةٍ للظّهور.
أين أولئك الذين يجرؤون على تحويل الكلمة إلى موقف؟
أين من يفهم أنّ الدفاع عن الأسرى ليس خطابًا يُلقى..بل معركة تُخاض؟
أين الصّوت الذي لا يخشى أن يكون صادقًا، حتى لو كان وحيدًا؟
إنّ أخطر ما نواجهه اليوم، ليس فقط قانون الإعدام، بل هذا التآكل البطيء في صدقية الموقف العام. حين تُفرغ القضايا من معناها، وتُختزل التضحيات في شعارات، فإننا لا نخون الأسرى فقط…بل نخون أنفسنا.
الأسرى ليسوا صورةً تُرفع،
ولا منشورًا يُكتب،
ولا مناسبةً عابرة.
هم وجعٌ حيّ،
وكرامةٌ مُحتجزة،
وحكاية وطنٍ كامل يقف خلف القضبان.
وإن كانت الزنازين قد قيّدت أجسادهم،
فلا يليق بنا أن نُقيّد قضيتهم بالنفاق.
نحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من التضامن…
نحتاج إلى الصّدق.
إلى مواقف تُربك هذا الصمت،
وتكسر هذا الزّيف،
وتعيد للقضية هيبتها التي سُرقت على أيدي المتاجرين بها.
في ختام سطور مقالي
على مقصلة الإعدام، لا يُختبر الأسرى وحدهم…
بل نُختبر نحن أيضًا.
فإمّا أن نكون على قدر القضية،
أو نُسجّل في دفاتر التاريخ…
شهود زورٍ على جريمة.







