أكد الشاعر عبد الوهاب فتحي، أننا في زمن لم يعد فيه الحرف يُولد على مهل بين دفّتي كتاب، بل يقفز كشرارة مضيئة على شاشات باردة.. يتبدّل الشعر، لا كائنا يُستبدل، بل روحا تُعيد ترتيب جسدها.
اعتبر صاحب المجموعة الشعرية “وحي لأشرعة الصلصال” عبد الوهاب فتحي في تصريح لـ«الشعب” أن الكتابة لم تعد طقسا معزولا في صومعة الشاعر، بل صارت لحظة مفتوحة على احتمالات لا نهائية؛ يُكتب النص وهو يعلم أن قارئه قد يلتقطه بعد ثوان، أو يعيد تشكيله بتعليق أو تأويل.
أما النشر – يضيف المتحدث ـ فهو لم يعد ينتظر رضى دور نشر ولا لجان قراءة، فقد صار انبثاقا فوريا، كأن القصيدة تُعلن نفسها بنفسها، أما القراءة فقد فقدت سكونها القديم، لم تعد تلك العزلة الدافئة، بل صارت حركة، تمريرا، عودة، مشاركة.. قراءةٌ تلهث أحيانا، لكنها تفتح أبوابا لم تكن تُطرق.
وفي التفاعل، يقول المتوج بالعديد من الجوائز الوطنية والدولية “لم يعد الشاعر يتحدث من برج عال، بل ينزل إلى الساحة؛ يسمع صدى نصّه حيا، يتشكل أمامه، يتشظى، أو يتوهج”.
في السياق، واصل عبد الوهاب فتحي مؤكدا على ضرورة أن يكتب الشاعر لا ليُرضي خوارزميات العبور، بل ليُنصت إلى رجفة داخله. أن لا يُختزل في عدد الإعجابات، ولا يُقاس بسطوة الانتشار.
ليؤكد الشاعر في هذا الشأن، أن الأصالة ليست في العزلة عن الرقمنة، بل في مقاومة الذوبان فيها؛ أن تظلّ القصيدة تحمل بصمتها الأولى، كأنها خرجت للتو من كهف الروح، لا من ضجيج المنصات.
في سياق آخر، يعتبر عبد الوهاب فتحي التكنولوجيا الحديثة بأنها ليست عدوا كما يُظن، بل أداة تنتظر خيالا جريئا، أين يمكن للشاعر أن يُحوّل نصّه إلى تجربة سمعية بصرية، حيث تتجاور الكلمات مع الموسيقى والصورة، حيث تُقرأ القصيدة وتُرى وتُحسّ، فيمكنه أن يُشرك المتلقي في بناء النص، وأن يترك نهايات مفتوحة، أو يستحدث نصوصا تفاعلية تتغيّر مع كل قراءة، بل يمكن أن يولد نوعٌ جديد من الشعر، لا يُكتب فقط، بل يُبرمج.. كأن القصيدة كائنٌ يتحرّك، يتبدّل، يعيش.
وختم محدثنا تصريحه بالقول، إن الفرص كثيرة كاتساع هذا الفضاء الرقمي؛ لم يعد هناك باب واحد يجب طرقه، بل نوافذ لا تُحصى، فيمكن لصوت صغير في قرية نائية أن يصل إلى قارئ في أقصى الأرض، فيمكن للموهبة أن تُختبر مباشرة، دون وسطاء، لكن، في هذا الاتساع، يكمن امتحانٌ آخر: كيف يثبت الشاعر نفسه وسط هذا الضجيج؟ كيف لا يضيع صوته بين آلاف الأصوات؟.







