«المتلقي الرقمي” شريك في إنتاج المعنى.. و«الإعجابات” ليست معيار الشعرية
لم يعد الشعر في زمن الرقمنة ذلك الكائن الورقي المنعزل بين دفتي كتاب، فقد تحوّل إلى كائن حي يتنفس عبر الشاشات، ويتكيف مع تحوّلات الوسائط الحديثة، وفقا لرؤية البروفيسور العيد جلولي.
وقال جلولي في تصريح لـ«الشعب” إن الرقمنة أحدثت تغييرا عميقا في طبيعة الشعر، سواء على مستوى الكتابة أو النشر أو القراءة، بل وحتى في شكل العلاقة بين الشاعر والجمهور.
فعلى مستوى الكتابة، يقول “أصبح الشاعر أكثر وعيا بإيقاع التلقي السريع الذي تفرضه المنصات الرقمية، ما أدى إلى ظهور نصوص قصيرة ومكثّفة تعتمد على الاقتصاد اللغوي والتركيز الدلالي ولم يعد الإسهاب هو السمة الغالبة، بل حلّ محله التكثيف الذي ينسجم مع طبيعة العصر”.
وأضاف: “في مجال النشر، تحرّر الشعر من سلطة دور النشر التقليدية، وأصبح في متناول الجميع فبضغطة زر اليوم، يستطيع أي شاعر أن ينشر نصوصه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المنصات الأدبية وهو ما فتح المجال أمام أصوات جديدة”.
وفيما يخصّ القراءة، ذكر المتحدث أن المتلقي لم يعد قارئا سلبيا يكتفي بالتأمل، بل أصبح شريكا في إنتاج المعنى، يعلق ويشارك، ويعيد تأويل النص وفق تجربته الخاصة، مشيرا إلى أن هذا التفاعل الفوري خلق علاقة جديدة بين الشاعر والجمهور، تقوم على الحوار والتبادل بدل التلقي الصامت.
واتجه البروفيسور جلولي بحديثه إلى اعتبار أن هذا الانفتاح الرقمي يطرح من جانب آخر، تحديا جوهريا، وهو كيف يمكن للشعر أن يحافظ على أصالته في ظلّ هذا التسارع؟.
وأوضح محدثنا – في السياق – أن الإغراء بالانتشار السريع قد يدفع بعض الشعراء إلى مجاراة الذوق العام على حساب العمق الفني، وهنا تبرز مسؤولية الشاعر في أن يظل وفيا لتجربته الخاصة وصوته الداخلي، وألا يجعل من عدد الإعجابات معيارا للقيمة، مضيفا أن الأصالة في زمن الرقمنة لا تعني الانغلاق، بل تعني القدرة على استخدام الوسائط الحديثة دون التفريط في جوهر الشعر بوصفه تجربة إنسانية عميقة.
من جهة أخرى، أشار محدثنا إلى ما فتحته التكنولوجيا من آفاق جديدة للإبداع الشعري، إذ أصبح بالإمكان دمج الشعر مع الصوت والصورة والفيديو، ما أدى إلى ظهور أشكال جديدة مثل الشعر التفاعلي والقصيدة الرقمية التي تتغير وفق تفاعل القارئ، ناهيك عن أن التكنولوجيات الجديدة أتاحت للشعراء إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار أو استكشاف أنماط لغوية مبتكرة، دون أن يلغي ذلك دورهم الإبداعي، بل يعزّزه كأداة مساعدة.
أما بالنسبة للشعراء الناشئين، فقد منحتهم الرقمنة فرصا غير مسبوقة، حسب ما قاله المتحدث، إذ لم يعودوا بحاجة إلى وسطاء للوصول إلى جمهورهم، بل يمكنهم بناء حضورهم الخاص والتواصل مع جمهور عالمي بسهولة، فضلا عما تتيحه لهم البيئة الرقمية من فرص للتعلّم المستمر، من خلال الاطلاع على تجارب شعرية متنوعة والتفاعل معها.
في الختام أكد البروفيسور جلولي بأنه يمكن القول، إن الرقمنة ليست تهديدا للشعر، بل فرصة لإعادة اكتشافه، فالشعر بطبيعته، كائن متحوّل، وكلما تغيرت وسائطه، ازدادت قدرته على البقاء والتجدّد.







