الجيـش يواجـه ببصــيرة المخاطـــر الجديـــدة المرتبطــة بالاختراقــات الناعمــة
أبرز الخبير في الشأن الأمني، الدكتور أحمد ميزاب، الإدراك العميق للجيش الوطني الشعبي لطبيعة التهديدات الأمنية في بيئة إقليمية ودولية متحولة، وهو ما يفسّر تبني المؤسّسة العسكرية مقاربة مزدوجة تقوم على محاربة بقايا الإرهاب في الداخل، وتأمين الحدود من الجماعات المسلّحة وشبكات التهريب.
أوضح الخبير ميزاب في تصريح لـ«الشعب» أنّ للجيش الوطني الشعبي عقيدة عملياتية متماسكة، تقوم على إدراك عميق لطبيعة التهديدات الأمنية في بيئة إقليمية ودولية متحولة، حيث لم يعد الإرهاب ظاهرة معزولة أو محلية، بل أصبح بنية شبكية عابرة للحدود تتداخل فيها الأبعاد الأمنية مع الأبعاد الجيو-سياسية والاقتصادية.
وقال المتحدث إنّ التهديدات الأمنية، جعلت الجيش الوطني الشعبي يتبنى مقاربة مزدوجة تقوم على العمل المتزامن على جبهتين مترابطتين، تتمثل الأولى في مواصلة محاربة بقايا الجماعات الإرهابية داخل التراب الوطني، والثانية في تأمين الحدود الوطنية التي تحولت، بفعل التحوّلات الإقليمية خاصة في منطقة الساحل، إلى فضاء نشط لحركة الجماعات المسلّحة وشبكات التهريب وتدفّقات السلاح.
في السياق، قال ميزاب إنّ مفهوم «التطهير» الذي ورد في تصريح الفريق أول رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، يكتسب دلالة استراتيجية تتجاوز المعنى العملياتي التقليدي لمكافحة الإرهاب، ليعكس توجّها نحو الاستئصال المنهجي لبقايا هذه الجماعات عبر تفكيك خلاياها النائمة، وقطع خطوط الإمداد والدعم اللوجستي، وتجفيف البيئة التي قد تسمح بإعادة تشكّلها، وهو ما تؤكّده طبيعة العمليات النوعية التي تنفذها وحدات الجيش في مختلف النواحي العسكرية، حيث لم تعد هذه العمليات قائمة على رد الفعل أو التدخّل الظرفي، بل أصبحت تعكس قدرة استخباراتية عالية على الرصد والاستباق، ودقة في الاستهداف، وتحكّما في مسرح العمليات، بما يدل على انتقال واضح من منطق الاحتواء إلى منطق المبادرة والسيطرة.
ويرى ميزاب أنّ التأكيد على «اليقظة» كحالة دائمة، يعكس إدراكا بأنّ التهديد الإرهابي لم ينته، بل دخل مرحلة جديدة تتّسم بالتحوّر والتكيف مع الضغوط الأمنية، خاصة في ظل بيئة إقليمية تتّسم بعدم الاستقرار، حيث تشهد بعض دول الجوار انتشارا غير مسبوق للسّلاح، وعودة محتملة لمقاتلين من بؤر التوتر، وهو ما يفرض على المؤسّسة العسكرية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية، وتبني أنماط انتشار مرنة، وتعزيز قدرات المراقبة متعدّدة الأبعاد، بما في ذلك المراقبة التكنولوجية والاستخباراتية، لضمان التحكّم في التهديدات قبل تحوّلها إلى مخاطر فعلية داخل التراب الوطني.
ومن جهة أخرى، أبرز الأستاذ ميزاب البعد الدولي لتجربة الجزائر في مكافحة الإرهاب، وما يرتبط بها من اتفاقيات لتبادل المعلومات مع عدد من الدول، وهو ما يؤكّد على مكانة الجزائر كفاعل أمني موثوق على المستوى الإقليمي والدولي، حيث لم تعد تجربتها محصورة في بعدها الوطني، بل أصبحت مرجعا في مجال مكافحة الإرهاب، خاصة من حيث قدرتها على الجمع بين المقاربة الأمنية الصارمة والعمل الاستخباراتي الدقيق، غير أنّ هذا الانخراط في التعاون الدولي يظل محكوما بثابت استراتيجي يتمثل في الحفاظ على السيادة الوطنية ورفض أي شكل من أشكال التدخّل العسكري خارج الحدود، وهو ما يعكس توازنا دقيقا بين الانفتاح على الشراكات الدولية وحماية القرار السيادي.
ويؤكّد الخبير الأمني على أنّ الأمن الوطني، لم يعد يدار ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل أصبح مرتبطا بشكل عضوي بالأمن الإقليمي، وأنّ حماية الاستقرار الداخلي تمرّ حتما عبر التحكّم في الفضاءات الحدودية ومراقبة التفاعلات الأمنية في المحيط الإقليمي. ويكشف ذلك – يقول محدثنا – عن انتقال الجيش الوطني الشعبي إلى مرحلة أكثر تقدّما في إدارة التهديدات، تقوم على الاستباق، والتحكّم، والتكامل بين الأبعاد العملياتية والاستخباراتية والدبلوماسية، وهو ما يطرح – في المقابل – تحديات مستقبلية تتجاوز التهديدات التقليدية، لتشمل أشكالا جديدة من المخاطر المرتبطة بالاختراقات الناعمة، مثل شبكات التمويل غير المشروع، والتأثير الإعلامي، والهجرة غير النظامية، والفضاءات الرقمية، وهي مجالات ستشكّل دون شكّ ساحات الصراع القادمة، وستتطلب تطوير أدوات جديدة في إطار مقاربة شاملة للأمن الوطني.


