استثمارات خارجية..استكشافات «أوف شور» وامتدادات في العمق الإفريقي
تحوّل هيكلي غير مسبوق..إنتاج فعلي وقاعدة صناعية آخذة في التوسع
أكّد الخبير الاقتصادي حكيم بوحرب أنّ الاقتصاد الجزائري حقّق الانتقال من اقتصاد تقليدي إلى نموذج أكثر تنوّعا ونجاعة، واعتبر أنّ ما تحقّقه الجزائر اليوم من مؤشرات إيجابية يعكس تحوّلات هيكلية مدروسة، تقودها رؤية استشرافية واضحة، ترتكز على تعزيز الإنتاج الحقيقي، وتوسيع القاعدة التصديرية، وإرساء توازنات اقتصادية أكثر صلابة، وفي ظل هذه الديناميكية – قال بوحرب – تمضي الجزائر بخطى واثقة نحو بناء اقتصاد صلب قادر على مواجهة التحديات وصناعة فرص نمو مستدامة.
أكّد أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة البليدة، حكيم بوحرب، أن الجزائر تسجّل في المرحلة الراهنة نموا بارزا في عائداتها بالعملة الصعبة مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل توجه اقتصادي جديد تعزّزه بروز صناعات حديثة وقطاعات تصديرية واعدة لم تكن حاضرة من قبل، وأوضح أن انتعاش الصادرات النفطية والغازية يأتي بدوره مدفوعا بفوارق سعرية إيجابية في الأسواق الدولية، نتيجة رفع أسعار الطاقة عالميا، وهذا ما منح الجزائر فرصة لتعزيز مداخيلها الخارجية في سياق دولي متقلّب.
تسويق الفائض الإنتاجي
وأبرز الخبير الاقتصادي أنّ الجزائر دعّمت هيكلتها الاقتصادية بإطلاق مشاريع إستراتيجية كبرى، على غرار تطوير منظومة القطاع المنجمي، حيث تمكّنت من تفعيل إمكانات كامنة ظلّت غير مستغلة لسنوات، لتتحوّل اليوم إلى رافد حقيقي للنمو، يساهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز مساهمة القطاع في الثروة الوطنية، كما أشار إلى أنّ دعم النسيج الصناعي الوطني ترافق مع استقطاب شراكات أجنبية مباشرة، لاسيما في مجالي الطاقة والفلاحة، من بينها شراكات مع مستثمرين قطريين في مشروع «بلدنا» بقيمة تقارب 3.5 مليار دولار، إلى جانب تعاون متقدم مع إيطاليا في عدة مجالات، فضلا عن توسيع نشاطات الاستكشاف الطاقوي داخل وخارج الوطن.
وأكّد محدّثنا أنّ مجمّع سوناطراك عزّز حضوره الدولي عبر استثمارات خارجية واستكشافات «أوف شور» وامتدادات في العمق الإفريقي، ما يفتح أمام الجزائر آفاقا أوسع للولوج إلى الأسواق الإفريقية، خاصة في موريتانيا والنيجر، كما أنّ حضور المنتج الوطني في المعارض الدولية مهم، وهو حضور بدأ يترجم إلى الصفقات وشراكات ملموسة.
ويرى الخبير بوحرب أنّ بروز المؤشرات الإيجابية يعكس تحولا نوعيا في هيكلة الصادرات الجزائرية، حيث سجّلت الجزائر ارتفاعا محسوسا في إيراداتها من العملة الصعبة، مدفوعا بتوسع قاعدة المنتجات الموجهة للأسواق الخارجية. وفي السياق، برزت صناعة الحديد والصلب كأحد أبرز أعمدة هذا التحول، إذ تمكّنت الجزائر خلال سنة 2025 من ترسيخ مكانتها كمصدر فاعل، بقيمة صادرات قاربت 1.2 مليار دولار، موجهة إلى وجهات متعددة، وهو ما يعكس تحسن القدرة الإنتاجية وجودة المنتج الوطني، وقدرته على المنافسة في الأسواق الدولية.
وفي امتداد لهذه الديناميكية، أشار بوحرب إلى أنّ الجزائر تمتلك فائضا إنتاجيا معتبرا في مادة الإسمنت، مكّنها من تعزيز قدراتها التصديرية والانفتاح على أسواق جديدة، خاصة في ظل الطلب المتزايد على مواد البناء، وتبرز القارة الإفريقية كوجهة إستراتيجية واعدة، بالنظر إلى حاجتها من أجل استكمال تشييد بنيتها التحتية، وهو ما يفتح أمام الجزائر فرصا حقيقية لتسويق فائضها الإنتاجي، وتوسيع حضورها الاقتصادي في هذه الأسواق.
ويؤكّد هذا التّوجّه أنّ تنويع الصادرات أصبح مسارا عمليا يعزّز تموقع الجزائر كشريك اقتصادي موثوق، ويكرّس دورها كفاعل إقليمي في دعم مشاريع التنمية عبر القارّة.
تحوّل هيكلي غير مسبوق
وتحدّث بوحرب عن جملة من العوامل تمهّد الطريق لمزيد من التطور الاقتصادي، وترسّخ ملامح نهضة تنموية واعدة، مؤكّدا أنّ الجزائر تسجّل اليوم ارتفاعا ملموسا في الإنتاج الحقيقي والإنتاج الصناعي، ما يعكس انتقال الاقتصاد الوطني إلى مرحلة أكثر صلابة، قوامها إنتاج فعلي وقاعدة صناعية آخذة في التوسع، وقال إنّ هذا التحول الهيكلي انعكس بشكل مباشر على استقرار المؤشرات الكلية، في إشارة واضحة إلى فعالية السياسات الاقتصادية، وقدرتها على تحقيق التوازن بين النمو والاستقرار.
وفي السياق ذاته، أشار الخبير إلى أنّ هذا التحكم في مستويات التضخم لأقل من نسبة 3 بالمائة، أتاح للبنك المركزي الجزائري هامشا أوسع للتحرك نحو تبني سياسة نقدية توسّعية، مدعومة بإدارة أكثر نجاعة للكتلة النقدية المتداولة، وقد تجسّد ذلك من خلال سلسلة من القرارات النوعية، أبرزها خفض سعر الفائدة التوجيهي في أوت الماضي من 3 بالمائة إلى 2.75 بالمائة، قبل أن يتبع ذلك تخفيض مماثل في شهر جانفي 2026، إلى جانب تقليص نسبة الاحتياطي الإجباري على مرحلتين، من 3 إلى 2 بالمائة، ثم إلى 1 بالمائة.
وتعكس هذه الإجراءات توجّها واضحا نحو ضخ سيولة إضافية في الاقتصاد، بما يعزّز دور القطاع المصرفي كرافعة تنموية قادرة على تمويل الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي، في ظل بيئة نقدية مستقرّة ومتحكّم فيها، تؤسّس لمرحلة جديدة من النمو المتوازن والمستدام.
وفي عرض تفصيلي لقاطرة التنوع الاقتصادي، أوضح بوحرب أن عددا من القطاعات المحرّكة سجل بدوره نموا لافتا في الاقتصاد الجزائري، وفي مقدّمتها القطاع الفلاحي الذي أضحى أحد الأعمدة الأساسية للناتج المحلي الإجمالي، بمساهمة تقدّر بنحو 37 مليار دولار، أي ما يقارب 15 بالمائة من إجمالي الناتج الداخلي الخام، وأكّد أنّ مخرجات هذا القطاع تتميّز بطابعها الحقيقي، وتأثيرها المباشر في الدورة الاقتصادية، بما يعزّز القيمة المضافة الوطنية ويدعم الأمن الغذائي، كما أشار إلى بروز بعد جديد في هيكلة الاقتصاد الوطني، يتمثل في تكامل الأدوار بين مختلف القطاعات، حيث باتت العلاقة بين القطاعين الفلاحي والصناعي قائمة على تشبيك فعال، تتجسّد ملامحه في تداخل المدخلات والمخرجات، لاسيما في الصّناعات الغذائية، بما يعكس انتقال الاقتصاد نحو نموذج أكثر اندماجا وتكاملا.
إعادة تشكيل توازنات الأسواق
من جهة أخرى، أبرز بوحرب أنّ التّوجّه نحو تعزيز فعالية السياسات الاقتصادية والاتفاقية يسهم في رفع مستوى الإنتاج الحقيقي، مدعوما بارتفاع المعروض الصناعي نتيجة زيادة الإنتاج، وهو ما انعكس إيجابا على التوازنات النقدية، وساهم في تجنّب الضّغوط التضخمية. كما مكّن هذا الزخم الإنتاجي الجزائر من تعزيز حضورها التصديري، واستقطاب مشاريع استثمارية جديدة، حيث أشار تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» الصادر في ماي 2025 إلى تحسّن قدرة الجزائر على جذب الاستثمارات الأجنبية بنسبة تقارب 18 بالمائة، ما يعكس متانة هيكلتها الاقتصادية وتزايد جاذبيتها الاستثمارية. وعلى الصعيد الإقليمي، أصبحت الجزائر تمتلك خيارات تصديرية أوسع، مدعومة بدبلوماسية اقتصادية نشطة نجحت في فتح أسواق جديدة، خاصة في العمق الإفريقي، في إطار التزام استراتيجي يعكس إرادة سياسية واضحة لترسيخ حضور اقتصادي سيادي في القارة. كما يعزّز هذا التوجه تموقع الجزائر في السوق الطاقوية الدولية، حيث باتت تمثّل فاعلا محوريا في معادلات الطاقة العالمية، وجزءا مؤثرا في إعادة تشكيل توازنات هذا السوق الحيوي.
وخلص الخبير بوحرب إلى القول إنّه في ضوء هذه التحولات المتسارعة، يتّضح أنّ الجزائر تعكف على تعميق وتوسيع موقعها الاقتصادي بثقة وواقعية، مستندة إلى قاعدة إنتاجية تتّسع، ورؤية إستراتيجية تستشرف المستقبل بأدوات جديدة صارت تمثّل تعبيرا عن مسار متكامل يعيد التوازن للاقتصاد الوطني، ويمنحه قدرة أكبر على التكيف والمنافسة.
وبفضل ديناميكية التصدير، وتعزيز الإنتاج الحقيقي، وتوسيع الشراكات – قال بوحرب – تتشكّل ملامح اقتصاد أكثر تنوّعا وصلابة، قادر على تحويل التحديات إلى فرص، وأضاف أن كل ما يتحقق في الوقت الحالي هو بداية مرحلة أكثر طموحا، تتعزّز فيها رهانات الاستدامة والابتكار والانفتاح، لتصنع الجزائر لنفسها مكانة متقدمة في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وتؤسّس لنموذج تنموي متوازن، يربط بين قوة الموارد وفعالية السياسات، ويمنح المستقبل أفقاً أوسع ممّا كان متاحاً في السابق.




