الاقتصاد الجزائري.. صلابة في الأداء ونموّ يتسارع بثبات
تقاطعت تقارير المؤسّسات المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة حول نجاعة وتطوّر الاقتصاد الجزائري، وصنّفته ضمن الأفضل والأكثر مرونة، كما توقّعت أن يحقّق نموّا أكبر في السنوات المقبلة مدفوعا بالتنوع والانفتاح على الاستثمار، وبعد البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، صنّف آخر تقرير للبنك الإفريقي للتنمية، الاقتصاد الجزائري بالأحسن أداء في القارة السمراء. وهذا ما يجدّد التأكيد أن المعركة التنموية نجحت، وفي طريقها لبناء اقتصاد قوي وتكريس نهضة متكاملة.
يعزّز اعتراف أكبر المؤسّسات المالية الدولية الايجابي والمتفائل، حقيقة أن خيارات التنمية في الجزائر المنتصرة دقيقة، وفي طريقها إلى تحقيق نمو متسارع، وجميع مؤشرات الاقتصاد الكلي الجزائري – في الوقت الراهن – خضراء وإيجابية وتعد بالكثير من التقدم، وجاءت توقعات البنك الإفريقي للتنمية بدورها لتؤكد أن أفاق التطور في الجزائر واعدة متوقعة بأن النمو في عام 2026 سيصل إلى 3.9 بالمائة وهو نفس الرقم الذي تضمنه قانون المالية للسنة الجارية، وبلغة تفاؤلية توقعت نفس المؤسسة المالية الإفريقية أن نسبة النمو في عام 2027 ستصل إلى 4 بالمائة، إلى جانب انكماش محسوس في التضخم، وهذا ما سينعش القوّة الشرائية ويمنحها المزيد من الحماية.
ويعكس هذا التقاطع في التقييمات الدولية تحوّلا نوعيا في مسار الاقتصاد الجزائري، الذي بات يرسّخ حضوره كأحد النماذج الصاعدة في القارة الإفريقية، مستفيدا من حزمة إصلاحات اقتصادية وهيكلية تهدف إلى تعزيز التنويع وتقليص التبعية للمحروقات. ولم يعد الأداء الاقتصادي المتسارع مجرّد استجابة ظرفية لتحسن الأسواق، بل أصبح يعكس توجّها استراتيجيا قائما على توسيع القاعدة الإنتاجية، وخلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية.
وفي هذا الإطار، تبرز ديناميكية الاستثمار كأحد أهم محركات النمو، حيث ساهم انفتاح الجزائر على الشّراكات الأجنبية الكبرى في ضخ مشاريع جديدة، خاصة في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية، ما يعزّز قدرات الإنتاج ويرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني. كما يشكّل تحديث وتوسيع شبكات إنتاج النفط والغاز خطوة محورية لدعم الإيرادات، بالتوازي مع توجيه متزايد نحو تطوير قطاعات بديلة ذات قيمة مضافة مثل المناجم والبتروكيماويات وبناء قاعدة ميكانيكية صلبة.
ولا يقتصر التّنوّع الهام على الجوانب الإنتاجية فقط، فهو يمتد ليشمل البعد الاجتماعي، من خلال مستويات إنفاق عمومي معتبرة موجهة لتحسين البنية التحتية الاجتماعية وتعزيز القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس إيجابا على استهلاك الأسر ويغذّي الدورة الاقتصادية الداخلية. ويأتي هذا التوازن بين الاستثمار والإدماج الاجتماعي ليعطي للنمو طابعا أكثر استدامة.
ومن جهة أخرى، يعكس تحسّن مؤشرات التضخم واستقرارها عند مستويات مدروسة نجاح السياسات النقدية والمالية في احتواء الضغوط، ما يعزز الثقة في مناخ الاقتصاد الكلي، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين رؤية جيدة على المدى المتوسط، ويضاف إلى ذلك مستوى احتياطي الصرف المريح، الذي يشكّل صمّام أمان يعزّز قدرة الجزائر على مواجهة التقلبات الخارجية، ويكرّس موقعها ضمن أكثر الاقتصاديات استقرارا في المنطقة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تتشكّل ملامح مرحلة جديدة للاقتصاد الجزائري، قوامها الصّلابة والمرونة والانفتاح، حيث لم يعد الرّهان مقتصرا على تحقيق نسب نمو ظرفية، بل أصبح موجّها نحو بناء نموذج اقتصادي متكامل قادر على خلق الثروة وتحقيق التوازنات الكبرى. وفي ظل تحقيق مؤشّرات إيجابية وآفاق واعدة، تؤكّد الجزائر تدريجيا موقعها كقوّة اقتصادية صاعدة في إفريقيا، وشريك موثوق في محيط إقليمي ودولي يبحث عن الشّراكات القوية والمربحة.
وبفضل هذه القفزة النّوعية، تواصل الجزائر عربيا وإفريقيا ترسيخ مسارها الاقتصادي بثبات، في ظل ديناميكية تنموية متصاعدة تعكس تحوّلا تدريجيا نحو نموذج أكثر تنوّعا ونجاعة، حيث بدأت ملامح نهضة اقتصادية حقيقية تتشكّل مدفوعة بإصلاحات عميقة، ورؤية واضحة لتعزيز الإنتاج والاستثمار. ومع تسارع وتيرة المشاريع وتوسّع القاعدة الاقتصادية، يبرز الاقتصاد الجزائري كأحد النّماذج الصّاعدة التي تجمع بين الصلابة والاستمرارية، وتؤسّس لمرحلة جديدة قوامها النمو المتوازن، وتعزيز الثّقة في القدرات الوطنية.




