الجزائــر تعــزّز مكانتهـا الاقتصاديــة بمعيار تعادل القـوّة الشّرائيـة.. نمـو مستــدام
تثمين منتجـات اناجـم محليّـا يرفــع القيمـــة المضافــة.. رؤيــة استشرافيـــة
تحفيـــز الإنتاج ودعــم القطاعـات غـــير النّفطيـة.. تماسـك اقتصـادي لصـــد الأزمات
إعــادة تفعيل التّعاونيات واعتماد التكنولوجيــــا.. الفلاحـة تتصـدّر المشهــد الاقتصـادي
تخصّصــات جامعيــة جديــدة وتكويــن مهنـــي مرتبـــط بالتّوجّه الاقتصـــادي الجديـــد
سجّل تقرير صندوق النقد الدولي الأخير، وقبله تقارير عديدة، تحسّن المؤشّرات المالية للجزائر، وتعادل القوة الشرائية الذي كان معيار تصنيف الجزائر ضمن الاقتصاديات العربية الكبرى، في ترجمة للمؤشّرات الكلية للاقتصاد الوطني التي دخلت منطقة الأمان، بفضل ارتفاع عائدات الطاقة وبعث قطاعات غير نفطية، وسّعت من رقعة النّشاط الاقتصادي، وهو ما أتاح هامشا أكبر لتطبيق سياسات اجتماعية داعمة، مثل دعم القدرة الشرائية، الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، وتمويل برامج السكن والصحة والتعليم، معزّزا بذلك التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
أوضح الخبير في الاقتصاديات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، في اتصال مع «الشعب»، أنّ الاقتصاد الجزائري يشهد خلال السّنوات الأخيرة تحوّلات لافتة، تعكس إرادة سياسية واضحة لإعادة توجيه النمو نحو أسس أكثر تنوّعا واستدامة، وهو ما تؤكّده المؤشّرات الدولية الحديثة، على رأسها تقرير صندوق النقد الدولي الذي صنّف الجزائر ضمن أكبر الاقتصادات العربية وفق معيار تعادل القوة الشرائية، مشيرا إلى أنّ هذا التقدم هو ثمرة مسار إصلاحي تدريجي وشامل انطلق منذ تولي عبد المجيد تبون رئاسة الجمهورية، حيث تمّ تبني مقاربة اقتصادية جديدة تقوم على تحفيز الإنتاج الوطني، دعم القطاعات غير النفطية، وتحقيق قدر أكبر من السيادة الاقتصادية.
الإنتــاج الفلاحـــي والتّحويـل الصّناعــي
في السّياق، يبرز القطاع الفلاحي كأحد أهم روافد التّحوّل العميق للاقتصاد الوطني، بعدما انتقل من قطاع تقليدي محدود الإنتاجية، إلى ركيزة استراتيجية في معادلة الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية، ققد أولت الدولة اهتماما خاصا بإصلاح المنظومة الفلاحية – يقول هباش – من خلال إطلاق برامج تهدف إلى توسيع المساحات الزراعية المستغلة، خاصة في الجنوب، وتشجيع الاستثمار في الزراعات الاستراتيجية مثل الحبوب، الأعلاف، والزراعات الصناعية، كما تمّ تسهيل الوصول إلى العقار الفلاحي عبر صيغ جديدة للامتياز، ما سمح بدخول مستثمرين جدد ورفع وتيرة الإنتاج.
ولم تقتصر الإصلاحات – يقول محدّثنا – على الجانب الكمي، فقد شملت تحديث وسائل الإنتاج عبر إدخال التقنيات الحديثة في الري، كالري المحوري والري بالتقطير، وهو ما ساهم في تحسين مردودية الهكتار وترشيد استهلاك الموارد المائية.
ومن بين أبرز مظاهر الإصلاحات التي شملت القطاع الفلاحي – أضاف هباش – تعزيز سلاسل القيمة الفلاحية من خلال ربط الإنتاج بالتحويل الصناعي، ما خلق ديناميكية جديدة بين الفلاحة والصناعة الغذائية. فقد تمّ تشجيع إنشاء وحدات تحويل محلية، الأمر الذي ساعد على تقليص التبعية للاستيراد، وخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، كما عملت السلطات على دعم الفلاحين عبر آليات تمويل ميسّرة، وإعادة تفعيل دور التعاونيات، وتوفير المدخلات الزراعية بأسعار مدعمة، ما ساهم في تحسين مناخ العمل داخل القطاع.
رؤيـــة واضحـــة.. لا إجـــراءات ظرفيــــة
في الإطار، سجّل هباش أنّه تمّ توجيه جزء معتبر من الاستثمارات العمومية نحو البنية التحتية الداعمة للفلاحة، مثل الطرق الفلاحية، التخزين، وسلاسل التبريد، وهو ما قلّل من خسائر ما بعد الحصاد، وساهم في استقرار الأسعار في السوق الوطنية، مؤكّدا أنّ التوجه نحو تحقيق الأمن الغذائي أصبح أكثر وضوحا، خاصة في ظل التقلبات العالمية، حيث تسعى الجزائر إلى تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز إنتاجها المحلي في المواد الأساسية، وعليه، فإنّ الإصلاحات في المجال الزّراعي تمثّل جزءا من رؤية اقتصادية شاملة تهدف إلى إعادة التوازن للاقتصاد الوطني، وتقليل الاعتماد على المحروقات، وهو ما بدأ ينعكس تدريجيا في المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي سجّلتها بلادنا.
المناجــم.. نظــــرة استشرافيـة
وفي سياق التّحوّلات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر، برز القطاع المنجمي كأحد الأعمدة الجديدة التي تعوّل عليها الدولة لتعزيز تنويع الاقتصاد، وتقليص التبعية للمحروقات، وذلك في إطار الرؤية الإصلاحية للسيد رئيس الجمهورية، حيث شهد هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة – وفق هباش – ديناميكية غير مسبوقة، نتيجة حزمة من الإصلاحات القانونية والمؤسّساتية التي جعلت هدفها الأول بعث النشاط المنجمي، وجعله أكثر جاذبية للاستثمار الوطني والأجنبي.
وتطرّق هباش إلى أبرز هذه الإصلاحات، مركّزا بالدرجة الأولى على مراجعة الإطار القانوني المنظم للاستثمار في المناجم، بما يضمن مرونة أكبر في الإجراءات وشفافية في منح التراخيص، ما ساهم في استقطاب اهتمام متزايد من الشركات الدولية والمحلية، كما تمّ إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في استخراج وتحويل الموارد المعدنية، مثل
الحديد والفوسفات والزنك، وهي مشاريع لا تقتصر أهميتها على التصدير فقط، بل تمتد لتغذية الصناعات التحويلية المحلية، وخلق نسيج صناعي متكامل.
تثمـــين المــواد الخـــام محليّا.. نقطــة تحـوّل
بالمناسبة، فتح هباش قوسا ليثمّن – من موقع الخبير الاقتصادي – حرص الدولة على الانتقال من منطق تصدير المواد الخام إلى تثمينها محليا، من خلال تطوير صناعات تحويلية مرتبطة بالقطاع المنجمي، وهو ما يخلق قيمة مضافة أعلى ويوفّر مناصب شغل نوعية، ففي مجال الفوسفات – على سبيل المثل – قال هباش إنّ العمل يتم على مشاريع متكاملة تشمل الاستخراج، النقل، والتحويل إلى أسمدة، ما يعزّز الأمن الغذائي ويدعم القطاع الفلاحي في الوقت نفسه، كما أنّ استغلال خام الحديد يساهم في تقوية صناعة الحديد والصلب، وهو ما ينعكس إيجابا على قطاع البناء والأشغال العمومية، إلى جانب ذلك – تابع هباش – تمّ توجيه استثمارات معتبرة نحو البنية التحتية الداعمة للنشاط المنجمي، مثل خطوط السكك الحديدية والموانئ، لضمان نقل الموارد بكفاءة وتقليل تكاليف الإنتاج، كما أولت الدولة أهمية لتكوين الموارد البشرية في هذا المجال، عبر تطوير التخصصات الجامعية والتكوين المهني المرتبط بالصناعات الاستخراجية. هذه الإصلاحات مجتمعة أسهمت في إعادة بعث الثقة في القطاع المنجمي، وجعلته أحد المحركات الواعدة للنمو الاقتصادي، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد على المعادن. وهو ما ينسجم مع توجّهات الجزائر نحو بناء اقتصاد متنوّع ومستدام، ويعزز من مكانتها ضمن الاقتصادات الصاعدة، كما أشار إليه تقرير صندوق النقد الدولي.
المعرفــــــة.. ركـــــيزة اقتصاديــــــــة
وفي موازاة تطوير القطاعات التقليدية، أكّد هباش أنّ الجزائر أولت، خلال السّنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بما يعرف باقتصاد المعرفة، باعتباره أحد أهم محرّكات النمو في الاقتصاد العالمي الحديث، وهو التوجه الذي تعزز بشكل واضح في ظل هذه الإصلاحات، فقد انتقلت الدولة من مرحلة الاعتراف النظري بأهمية هذا القطاع إلى تبنّي سياسات عملية، تهدف إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للمؤسسات الناشئة والابتكار. ولخص هباش أبرز ملامح هذا التحول، في استحداث بيئة قانونية وتنظيمية محفّزة، تمثّلت في إطلاق صفة «مؤسسة ناشئة» و»مشروع مبتكر»، ما منح روّاد الأعمال إطارا رسميا للاستفادة من الامتيازات الجبائية والتمويلية. كما تمّ إنشاء هياكل مرافقة مثل حاضنات الأعمال ومسرعات المشاريع داخل الجامعات وخارجها، بهدف تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتجسيد الاقتصادي، وهو ما ساهم في بروز جيل جديد من الشباب المقاول.
فـــرص أوفـــــر للشّبـــاب
وفي السّياق، أكّد هباش أنّ وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسّسات الناشئة لعبت دورا
محوريا في تنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين، من جامعات ومراكز بحث ومستثمرين، لخلق منظومة ديناميكية قائمة على الابتكار، كما تمّ إطلاق آليات تمويل جديدة، سواء عبر صناديق الاستثمار أو عبر تسهيلات بنكية موجهة خصيصا للمؤسسات الناشئة، وهو ما خفّف من أحد أكبر العوائق التي كانت تواجه الشباب في السابق.
ولفت هباش إلى أنّ الإصلاحات لم تقتصر على الجانب التنظيمي، فقد شملت تعزيز البنية التحتية الرقمية، من خلال تحسين خدمات الإنترنت، ودعم الرقمنة في مختلف القطاعات، ما فتح المجال أمام تطوير خدمات رقمية محلية في مجالات التجارة الإلكترونية، الخدمات المالية، التعليم عن بعد، والصحة الرقمية. وهو التوجه الذي ساهم في خلق فرص عمل جديدة ذات قيمة مضافة عالية، خاصة لفئة الشباب الجامعي، يقول هباش.
ويرى هباش أنّ تشجيع ثقافة الابتكار والمبادرة الفردية أصبحا جزءا من السياسات العمومية، من خلال إدماج ريادة الأعمال في المناهج التعليمية، وتنظيم مسابقات وطنية ودولية لدعم المشاريع المبتكرة. وقد ساهم ذلك في تغيير الذهنيات تدريجيا، حيث لم يعد التوظيف التقليدي الخيار الوحيد، بل أصبح إنشاء مشروع خاص مسارا مهنيا واعدا. وبفضل هذه الإصلاحات، بدأ قطاع اقتصاد المعرفة في أخذ مكانته ضمن هيكل الاقتصاد الوطني كرافد حقيقي للنمو والتنويع الاقتصادي. وهو ما يعزّز من قدرة الجزائر على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، ويدعم المؤشرات الإيجابية التي أوردها تقرير صندوق النقد الدولي، خاصة فيما يتعلق بتوسع النمو خارج قطاع المحروقات.
تــدارك النّقائـــــص
وفي إطار مساعي تنويع الاقتصاد الوطني، تطرّق الخبير الاقتصادي إلى القطاع الصّناعي كمحور أساسي في الإصلاحات الاقتصادية التي انتهجتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، حيث تمّ العمل على إعادة بعث القاعدة الصناعية الوطنية بعد سنوات من التراجع، من خلال تبني مقاربة جديدة تقوم على تشجيع الإنتاج المحلي، تقليص الواردات، وخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد، وقد تجسّدت هذه الإصلاحات – يقول هباش – في مراجعة شاملة لمنظومة الاستثمار الصناعي، عبر تبسيط الإجراءات الإدارية، تقليص البيروقراطية، وتوفير مناخ أكثر شفافية وجاذبية للمستثمرين. كما تمّ استحداث هيئات جديدة لمرافقة المشاريع الصناعية، مع رقمنة عدد كبير من المسارات الإدارية، ما ساهم في تسريع وتيرة إطلاق المشاريع وتقليل آجال الإنجاز.
ومن أبرز توجّهات السياسة الصناعية الجديدة، سلّط هباش الضوء على الصناعات التحويلية التي تعتمد على الموارد المحلية، سواء في المجال الفلاحي أو المنجمي، وهو ما يسمح بخلق تكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية. فقد شهدت صناعات مثل الأغذية، مواد البناء، والبتروكيمياء تطورا ملحوظا، مدعوما بتوجيه الاستثمارات نحو تثمين الإنتاج الوطني بدل تصديره في شكله الخام، كما أولت الدولة أهمية خاصة لإعادة تشغيل الوحدات الصناعية المتوقفة، من خلال تسوية وضعياتها القانونية والمالية، وإعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية، وهو ما ساهم في استرجاع آلاف مناصب الشغل وتعزيز الإنتاج الوطني. إلى جانب ذلك، تمّ تشجيع الشراكات مع متعاملين أجانب وفق صيغ جديدة تضمن نقل التكنولوجيا والخبرة، بدل الاكتفاء بالاستيراد.
استعــادة الثّقة..
وفي سياق دعم الإنتاج المحلي، أشار هباش إلى اعتماد سياسات تهدف إلى حماية المنتوج الوطني بشكل مدروس، من خلال تنظيم الواردات وتوجيهها نحو ما يخدم حاجيات السوق دون الإضرار بالصناعة المحلية، كما تمّ العمل على تطوير مناطق صناعية جديدة وتحسين تهيئتها، بما يوفّر بيئة ملائمة لاحتضان المشاريع الكبرى والمتوسّطة. هذه الإصلاحات، يقول عنها هباش، أنّها ساهمت في استعادة الثقة تدريجيا في القطاع الصناعي، وجعلته أحد المحرّكات الأساسية للنمو خارج قطاع المحروقات، وهو ما انعكس في تحسّن المؤشرات الاقتصادية التي أوردها تقرير صندوق النقد الدولي. وبذلك، باتت الصّناعة الجزائرية تسير بخطى ثابتة نحو لعب دور محوري في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز السيادة الاقتصادية للبلاد.



