وزن دبلوماســي جزائــري كبــير كفاعل أساسي دوليــا
جسـر متــين وممتــد للتعايــش السلمي بــــين العالمــــين الإسلامــي والمسيحـي
بيئـة حاضنـة وآمنة تحترم حريـــة المعتقــد والتديـن
فرصــة لتجديـد نـداء عالمــي نحو تغليـب لغـة العقــل والإنصات والمصالحة
تتجه أنظار العالم، هذا الأسبوع، نحو الجزائر التي تستعد لاستقبال بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، في محطة ذات أبعاد عميقة تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي لتشكل جسرا متينا وممتدا للتعايش السلمي بين العالمين الإسلامي والمسيحي، حيث تبرز هذه الخطوة المكانة الإستراتيجية والروحية التي تحظى بها الجزائر كأرض للقاء والحوار الجاد بين مختلف الثقافات والحضارات.
تؤكد الممارسة العملية على أرض الواقع، وفق مراقبين، أن الجزائر لطالما شكلت بيئة حاضنة وآمنة تحترم حرية المعتقد وحرية التدين للأقليات المسيحية بمختلف طوائفها، سواء كانوا من المواطنين الجزائريين أو من الأجانب المقيمين على أراضيها، وهو التوجه الحضاري الذي يكرسه الدستور الجزائري بوضوح ويحميه بقوة قوانين الجمهورية المنظمة لممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، بالإضافة إلى الاهتمام الرسمي والمجتمعي المستمر بصيانة وترميم المقرات الدينية من كنائس فاعلة أو مقابر مسيحية ويهودية عتيقة والتي تعكس التنوع الثقافي والروحي الذي عرفته البلاد عبر محطاتها التاريخية المختلفة، مما يقدم رسالة واضحة للعالم أجمع مفادها أن الانتماء للأغلبية المسلمة في المجتمع الجزائري لا يتعارض إطلاقا مع صون حقوق الأقليات وتوفير المناخ الملائم لممارسة طقوسهم بحرية تامة وفي كنف الاستقرار التام.
في سياق متصل، تعكس هذه الزيارة التي تندرج ضمن جولة إفريقية واسعة الوزن الدبلوماسي والسياسي الكبير الذي تمتلكه الجزائر على الساحة الدولية كفاعل أساسي في صلة الوصل بين قارتي إفريقيا وأوروبا، خاصة وأنها تأتي في ظرف عالمي شديد الحساسية والتعقيد يشهد فيه العالم بأسره ومنطقتنا العربية والإفريقية على وجه الخصوص العديد من النزاعات المسلحة والتوترات المتصاعدة، لتكون العاصمة الجزائرية انطلاقا من مبادئها الثابتة منبرا يبعث برسائل سلام قوية تدعو إلى حتمية التعايش بين مختلف الأقطاب والدول ونبذ خطابات التفرقة والتطرف.
كما تؤشر الجولة على التأكيد الصارم على ضرورة احترام المبادئ المؤسسة للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، وتجنب الاستخدام المفرط للقوة أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول خارج الأطر القانونية التي تنظم العلاقات الدبلوماسية بين الأمم، مما يجعل من التواجد البابوي على أرض الجزائر فرصة سانحة لتجديد نداء عالمي نحو تغليب لغة العقل والإنصات والمصالحة من أجل إيقاظ الضمائر وخدمة رفاه الشعوب وإرساء دعائم السلم الإقليمي والعالمي بعيدا عن التوظيف السياسي للنزاعات.
علاوة على ذلك، تكتسي الزيارة طابعا ثقافيا وروحيا بالغ الأهمية يسلط الضوء على الثقل الثقافي الممتد للجزائر في الذاكرة الإنسانية الجمعية، لاسيما من خلال استحضار الإرث الفلسفي والديني للقديس أوغسطين الذي يعد بلا منازع من أكبر المفكرين المؤثرين في مسار الحضارة الغربية وتأسيس الفكر الإنساني المتسامح، وهو الفيلسوف الأمازيغي الجزائري الذي ولد بمدينة سوق أهراس وعاش تفاصيل حياته ونشاطه الفكري في مدينة عنابة، حيث لا تزال كتاباته اللاهوتية والفلسفية المدونة باللغة اللاتينية تدرس حتى يومنا هذا في كبرى الجامعات الغربية كمرجع أساسي، كما ارتبط مساره العلمي والروحي بتلاميذه ورفاقه الذين انتشروا في عدة مناطق جزائرية مؤثرين في محيطهم على غرار أسقف مدينة قالمة قديما، مما يؤكد بجلاء أن الجذور الثقافية للبلاد ضاربة في عمق التاريخ القديم وتتخطى الحقب الزمنية القريبة لتمثل مساهمة فعلية في بناء صرح الفكر البشري من خلال نخب وشخصيات معرفية كبرى أمثال أبوليوس ويوبا الثاني وغيرهم ممن أثروا الحضارة الإنسانية.
كذلك، يبرز سعي ضيف الجزائر لزيارة هذه الأماكن الرمزية المحملة بعبق التاريخ وعلى رأسها مدينة بونة الساحلية التي تحتضن معالم أثرية تمثل إرثا ثقافيا لا يقدر بثمن للبشرية جمعاء وللعالم المسيحي بشكل خاص، رغبة واضحة ومقصودة في تثمين هذا التراث المشترك الذي يمكن أن يبني جسورا حقيقية للتواصل والتفاهم والتعاون بين شعوب ضفتي البحر الأبيض المتوسط، حيث تمثل الكنائس التاريخية والمعالم الأثرية القائمة كشواهد حية على تلك الحقبة نوافذ تطل على ماض زاخر بالانفتاح الفكري، لتؤكد هذه المحطة في مجملها أن بناء الأوطان الحضارية المتقدمة يقوم أساسا على قيم المواطنة الصالحة والأخلاق الإنسانية النبيلة التي تجمع الأفراد وتوحد جهودهم بغض النظر عن انتماءاتهم العقائدية أو أصولهم العرقية، وهو ما يتجسد بوضوح في الذاكرة الوطنية الجزائرية التي امتزجت فيها تضحيات أبنائها الشرفاء في خندق واحد دفاعا عن الحرية ورفضا للظلم، لتظل الجزائر بذلك رمزا حيا للسيادة وقبول الآخر وواحة للتسامح البناء.
