الجزائر المنتصرة عززت ريادتها في التعايش السلمي والدفاع عن حرية المعتقد
ثوابت جزائرية تأسست على نصرة السلم وتعزيز التواصل بين الشعوب
فضاء للتعايش والحوار بين الأديان والثقافات في عالم يشهد توترات متزايدة
مجابهة التحديات البشرية الراهنة بروح من المسؤولية والتعاون الأخلاقي
تكتسي زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر أهمية استثنائية، لما تحمله من دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة، تعكس مكانة الجزائر كفضاء للتعايش والحوار بين الأديان والثّقافات في عالم يشهد توتّرات متزايدة.
رحّبت الجزائر بفحوى البيان الصادر عن سلطات دولة الفاتيكان، المتضمن الإعلان عن قيام البابا ليون الرابع عشر بزيارة رسمية إلى الجزائر، تلبية لدعوة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في خطوة تعكس عمق العلاقات التي تجمع الطرفين، والإرادة المشتركة لتعزيزها.
وقد أكّد بيان لرئاسة الجمهورية، أنّ هذه الزيارة ستمكّن من تمتين روابط الصداقة والثقة والتفاهم التي تجمع بين الجزائر ودولة الفاتيكان، وستفتح آفاقا جديدة للتعاون، وهي الروابط التي لم تكن وليدة اليوم، فهي نتاج عقود من الاحترام المتبادل، وفق رؤية تنسجم مع ثوابت الدبلوماسية الجزائرية القائمة على نصرة السلم وتعزيز التفاهم بين الشعوب، ويرى مختصّون أن هذه المحطة ستفتح آفاقا جديدة للتعاون تعكس الإيمان المتبادل بضرورة مجابهة التحديات البشرية الراهنة بروح من المسؤولية والتعاون الأخلاقي.
وتأتي هذه الزّيارة، في سياق دولي يتّسم بتصاعد التوترات وتزايد حالة الاستقطاب الحاد وخطابات الكراهية التي تجتاح العالم، وعلى هذا الأساس تعد – حسب مختصّين ومتابعين – رسالة قويّة لصالح قيم السلام والتسامح، حيث تؤكّد الجزائر دائما تمسّكها بثوابتها القائمة على احترام المعتقدات، وترسيخ ثقافة العيش المشترك.
وشكّلت الجزائر منذ القدم، أرضا للتّنوّع الديني والثقافي، فانطلاقا من نموذج الأمير عبد القادر في حماية المسيحيين بدمشق، وصولا إلى الثورة التحريرية التي احترمت رجال الدين، حافظت الجزائر على صورة الدولة التي تصون كرامة الإنسان دون تمييز.
ويبرز مختصّون أنّ اختيار الجزائر يحمل دلالة خاصة، باعتبارها بلدا يجمع بين الانتماء العربي والإفريقي والمتوسّطي، ويمتلك رصيدا تاريخيا مشهودا في إدارة التنوع الديني والثقافي، كما أنّ تواجد الحبر الأعظم في بلد ذي أغلبية مسلمة يحمل رسالة قويّة مفادها أنّ الحوار بين الأديان ضرورة إنسانية ملحّة لمواجهة التطرف والعنف، وهو الموقف الذي تتبناه الجزائر كنهج ثابت يقوم على احترام الحريات، وتعزيز التعايش من منطلق أن السلم العالمي يبدأ من الاعتراف بالآخر.
وتؤكّد السلطات العمومية، من خلال مختلف مؤسساتها، أن الحرية الدينية ممارسة فعلية، تجسّدت في حماية دور العبادة وترميمها، على غرار كاتدرائية «القلب المقدّس» بالجزائر العاصمة، وكنيسة سانت أوغسطين بعنابة، بالإضافة إلى الدور التنظيمي الذي تلعبه اللجنة الوطنية للشعائر الدينية لغير المسلمين لضمان ممارسة العبادات في إطار قانوني يكرّس مبدأ المواطنة، في دلالة واضحة عن التزام الدولة بضمان حقوق جميع معتنقي الديانات، وأن حرية المعتقد حق أصيل يكفله الدين والقانون، ويشكل ركيزة أساسية لبناء مجتمع متوازن ومتصالح مع ذاته.
الثّوابــت الدّينيــة وجــذور الحوار
تحمل زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر دلالة رمزية لافتة، إذ يرتقب أن يستهل زيارته بالوقوف عند جامع الجزائر قبل التوجه إلى الكنائس، في خطوة تعكس خصوصية التجربة الجزائرية القائمة على احترام التعدد الديني ضمن مرجعية وطنية واضحة، وتحمل هذه المحطة – حسب المختصين – رسالة مفادها أنّ الانفتاح على الآخر ينطلق من الثوابت، وأن الحوار بين الأديان في الجزائر يبنى على أرضية من التوازن والاحترام المتبادل.
كما تأتي هذه الزيارة على خطى القديس أوغسطين، أحد أبرز أعلام الفكر الديني والفلسفي في التاريخ، وهو المولود في طاغست (سوق أهراس حاليا)، وشكّلت كتاباته جسرا فكريا بين ضفتي المتوسط، ويعكس هذا البعد التاريخي عمق الروابط الروحية والثقافية التي تجمع الجزائر بأوروبا، كما يؤكّد أنّ الجزائر تجمع بين الحفاظ على هويتها الدينية والانفتاح على مكونات تراثها الإنساني والديني المتنوّع، ما يمنح زيارة البابا ليون الرابع عشر دلالة تتجاوز الحاضر نحو استحضار إرث مشترك فاعل في تقريب الشّعوب.
ترحيــب دولـي واسـع..
على الصّعيد الدولي، لقيت هذه الزيارة ترحيبا واسعا، حيث اعتبرت فرصة لإعادة بعث ديناميكية الحوار بين الشمال والجنوب، خاصة في ظل التوترات العالمية، ويرى متابعون أنّ تحرك الفاتيكان نحو الجزائر يعكس إدراكا متزايدا لدورها المحوري في المنطقة، ليس فقط كفاعل سياسي، بل كقوة ناعمة قادرة على المساهمة في تهدئة الأزمات وبناء الاتفاقات.
كما ينظر إلى هذه الزيارة كإشارة إيجابية نحو إمكانية استثمار الرصيد التاريخي والثقافي المشترك لإعادة بناء الثقة بين الشعوب، بعيدا عن الحسابات الضيقة، وهو ما عبّرت عنه عدة أصوات أوروبية دعت إلى استلهام هذا الحدث لإحياء جسور التواصل.
وتؤكّد زيارة البابا ليون الرابع عشر أنّ الجزائر تستمر في أداء دورها كفضاء للحوار، ومنصّة للتقارب بين الأديان والثقافات، مرتكزة على إرثها التاريخي وموقعها الجغرافي، ورؤيتها السياسية القائمة على الاعتدال والانفتاح.
وبين رمزية الحدث وأبعاده السياسية والإنسانية، تبدو الجزائر اليوم أكثر من أي وقت مضى مؤهلة لتكون قلبا نابضا في المتوسط، وحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وفاعلا أساسيا في نشر قيم السلم والتعايش في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى صوت الحكمة.



