ميـزان الاستقـرار ومرجعية الأخلاق.. تاريخ فـكـري جزائـري في خدمـة الإنسانـية
”قوة ناعمة”..وقدرة على تجسيـد مبادئ “أوغسطـين” في تحقيـق الطمأنينـة
لعب دور الوسيط النزيه في النزاعات الدوليـة بالاستناد إلى الإرث في التسامح
أكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور إدريس عطية، أنّ زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر لبلادنا، تعد بمثابة اعتراف بمركزيّة الجزائر كقطب للاستقرار في منطقة تعصف بها الأزمات في جوهرها، سيما وأنّه في ظل الاستقطاب العالمي الراهن، يتقاطع موقف الجزائر والفاتيكان في الدعوة إلى «السّلام العادل» ورفض منطق القوة.
أشار الدّكتور إدريس عطية في تصريح لـ «الشعب»، إلى أنّ هذه الزيارة تكرّس الجزائر كعاصمة عالمية لـ «صناعة السلام والعيش المشترك»، حيث تلتقي الدبلوماسية السياسية بالقيم الروحية، موضّحا أنّ استضافة البابا ليون الرابع عشر، يعزّز من «القوة الناعمة» للجزائر، ويظهر قدرتها على تجسيد مبادئ «أوغسطين» في تحقيق الطمأنينة .
ويرى المتحدّث أنّ هذا الموقع يسمح للجزائر بلعب دور الوسيط النزيه في النزاعات الدولية، مستندة إلى إرثها في التسامح التاريخي وقدرتها على بناء جسور الثقة بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط.
وفي هذا السّياق، أوضح محدّثنا أن استحضار إرث القديس أوغسطين، ابن أرض الجزائر ومؤسس فلسفة «الحرب العادلة»، يمنح الزيارة بعدا جيوسياسيا عميقا، فهي تؤكّد أنّ الجزائر تمتلك الرصيد الفلسفي والتاريخي الذي يؤهّلها للمرافعة عن نظام عالمي قائم على الأخلاق والقانون لا على الهيمنة.
وحسب إدريس عطية، تشكّل الزّيارة التّجسيد الميداني لنهج الجزائر التاريخي الذي لا يرى في التعدد الثقافي عائقا، بل ثراء إنسانيا، مؤكدا أنها امتداد لمبادرة الجزائر الأممية حول «العيش معا في سلام»، مشيرا إلى أن الربط بين فكر «أوغسطين» الجزائري والانفتاح الإسلامي المعاصر، يقدم نموذجا يتحدى أطروحات «صدام الحضارات»، ويؤكّد أن الجزائر كانت ولا تزال أرضا للتلاقي الفكري والديني، وهو ما يعزّز من صدقية خطابها الداعي إلى تغليب لغة الحوار على لغة السلاح في معالجة الأزمات الدولية.
ويرى عطية أنّه يمكن استثمار هذا الحدث في تعزيز الحضور الدولي للجزائر كمرجعية أخلاقية في المحافل العالمية، خاصة وأنّ هذه الزيارة تحمل رسالة قوية بشأن القضية الفلسطينية، فالجزائر والفاتيكان يشتركان في رفض الظلم التاريخي والاعتداء على الكرامة الإنسانية والمقدسات.
وستكون الزّيارة – حسب المتحدّث – منصّة للتأكيد على أن السلام العالمي لن يتحقق ما لم يرفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، وهي رسالة موجّهة للضمير العالمي بضرورة وقف الحروب العبثية والعودة إلى جوهر العدالة الإنسانية التي نادى بها الفكر «الأوغسطيني» والشرائع السماوية.
واعتبر الدكتور عطية أنّ الزّيارة تمثّل فرصة استراتيجية لتفعيل تعاون غير مسبوق يتجاوز الأطر التقليدية، فثقافيا يمكن إطلاق مشاريع بحثية وأكاديمية حول التراث الفلسفي المشترك، وتثمين المعالم التاريخية المسيحية كجزء من الهوية الوطنية الجزائري المنفتحة، أما على المستوى الإنساني، فإن الزيارة تفتح الباب لتنسيق الجهود في ملفات الهجرة، ومكافحة الفقر في إفريقيا، والعمل الإغاثي المشترك، مما يحول العلاقة مع الفاتيكان إلى «شراكة قيمية» فاعلة تخدم القضايا العادلة في القارة السمراء والمنطقة المتوسطية، يضيف إدريس عطية.




