دلالات تعكس إعادة تشكيل تدريجية لخريطة العلاقات بين الفاعلين الدوليين
أكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور عمار سيغة، أنّ زيارة البابا ليون الرابع عشر، تمثل حدثا يتجاوز الإطار البروتوكولي والديني التقليدي، لتندرج ضمن سياق جيو-سياسي ودبلوماسي متحوّل يعكس تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الدولية، وفي تموقع الجزائر إقليميا ودوليا، وفي أدوات سياستها الخارجية خلال المرحلة الراهنة.
أوضح سيغة أنّ أهمية هذه الزيارة تكمن في دلالاتها الأوسع التي تعكس إعادة تشكيل تدريجية لخريطة العلاقات بين الفاعلين الدوليين، في ظل عالم يتجه نحو التعددية القطبية، وتزايد أهمية الدبلوماسية الثقافية والرمزية إلى جانب الدبلوماسية التقليدية القائمة على المصالح الصلبة.
ويرى الدكتور سيغة أنّ الجزائر تسعى إلى ترسيخ موقعها كدولة محورية في الفضاءين المتوسطي والإفريقي، تعتمد على مزيج من الأدوات السياسية والاقتصادية والثقافية، بما يعكس انتقالا تدريجيا من نموذج الدولة المرتكزة على الموارد الطاقوية، إلى نموذج أكثر شمولا يقوم على توظيف التاريخ، والجغرافيا، والهوية، والثقل الدبلوماسي في بناء النفوذ الدولي، وأضاف أن الرسائل السياسية والدبلوماسية التي تحملها زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر متعددة المستويات، فهي – من جهة – تعكس اعترافا ضمنيا بالدور المتنامي للجزائر كفاعل استقرار في محيطها الإقليمي، ومن جهة ثانية، تؤكّد توجّه السياسة الخارجية الجزائرية نحو الانفتاح على فاعلين دوليين غير تقليديين، ضمن رؤية تقوم على تنويع الشراكات وتوسيع قنوات الحوار السياسي والثقافي، بعيدا عن منطق الاصطفاف الضيق.
وحول البعد الرّمزي للزيارة، قال الدكتور سيغة إنّ الجزائر تمتلك رصيدا تاريخيا وحضاريا مهما في شمال إفريقيا، يرتبط بعدد من الشخصيات الفكرية والدينية ذات التأثير العالمي، وفي مقدّمتها القديس أوغسطين الذي يشكّل رمزا للحوار الفكري بين الحضارات، وللتفاعل التاريخي بين الضفتين المتوسطيتين. ومن هذا المنظور، فإنّ زيارة مواقع مرتبطة بهذا الإرث، على غرار سوق أهراس وعنابة، لا تحمل فقط قيمة تاريخية، بل تكتسي أيضا بعدا استراتيجيا يمكن استثماره في تعزيز السياحة الثقافية والدينية.
وفي ما يتعلق بالبعد الاقتصادي غير المباشر للزيارة، يوضّح المتحدّث أن أهمية الحدث لا تكمن في نتائج فورية أو اتفاقيات مباشرة، بل في تأثيره التراكمي على صورة الجزائر في الخارج. فالدول – يقول محدّثنا – لا تبني جاذبيتها الاستثمارية عبر المؤشرات الاقتصادية وحدها، فـ «السّمعة الدولية» و»القوة الرمزية» لها دورها الفاعل.
وفي سياق التّحوّلات الدولية الراهنة، أوضح محدّثنا أنّ زيارة البابا ليون الرابع عشر تأتي في لحظة يشهد فيها العالم إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، وتزايد الحاجة إلى قنوات تواصل غير تقليدية بين الدول والشعوب، وهو ما يجعل من الدّبلوماسية الثقافية والدينية أحد الأدوات المساعدة في بناء جسور الثقة وتخفيف حدة التوترات، كما يرى أن هذا النوع من الزيارات يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للتعاون الأكاديمي والعلمي بين الجزائر ومؤسسات دولية مرموقة، من خلال تبادل الخبرات في مجالات التاريخ والآثار واللاهوت والدراسات الحضارية، إلى جانب دعم مشاريع بحثية مشتركة تعزّز الفهم المتبادل بين الثقافات.
وأضاف أنّ الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي ومواقفها الدبلوماسية، تمتلك مقوّمات تؤهلها للعب دور «حلقة وصل» بين الشمال والجنوب، وبين العالمين الإسلامي والمسيحي، وهو دور يتطلّب استثمارا ذكيا للفرص المتاحة، وتطوير أدوات الدبلوماسية الثقافية بما يتماشى مع التحولات الجارية في النظام الدولي.




