الإرث الأوغسطيني جسر للدبلوماسية الثقافية وفلسفة العلاقات الدولية
تتّجه أنظار العالم اليوم، نحو الجزائر العاصمة التي تستقبل البابا ليون الرابع عشر في أولى محطات جولته، التي تحظى بتغطية إعلامية إقليمية ودولية مكثفة تعكس أهمية الحدث..
تأخذ الزيارة أبعادا تتجاوز الأطر الكلاسيكية لتؤسّس لمرحلة جديدة من التقارب بين الجزائر ودولة الفاتيكان، وتبرز خصوصية هذا الحدث من خلال الارتباط الروحي والثقافي الوثيق، الذي أعلنه البابا ليون الرابع عشر منذ تنصيبه، حينما ربط مساره ومشروعه الديني بشخصية القديس أوغسطين، الذي يعد من أبرز أعمدة الفكر الإنساني والمسيحي قاطبة، وهو ابن هذه الأرض الطيبة، وتحديدا مدينة طاغاست (ولاية سوق أهراس) قبل أن ينتقل لاحقا إلى مدينة هيبون (عنابة حاليا) ليترك إرثا فلسفيا هائلا، كذلك تتجلّى هذه الرابطة بين الجزائر والفاتيكان في استحضار كنيسة السلام، التي عين أوغسطين على رأسها كقسيس سنة ثلاثمائة وخمس وتسعين للميلاد، ما يجعل الاهتمام بهذه المحطة ينطلق أساسا مع القيادة الجديدة للكنيسة الكاثوليكية، التي وجهت بوصلتها نحو مهد أحد أهم آباء الكنيسة ومفكريها.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ البعد الفلسفي للقديس أوغسطين يتجاوز الحدود الدينية المحض ليلامس جوهر التراث الإنساني العالمي، الذي تفتخر الجزائر باحتضانه عبر العصور، حيث تمثل كتاباته واعترافاته حجر الزاوية في تطور الفكر الغربي بأسره، ومن هذا المنطلق، فإنّ إبراز هذا الانتماء الجغرافي للمفكّرين الكبار يعزّز من مكانة البلاد كحاضنة تاريخية للتسامح وتلاقي الحضارات عبر حوض البحر الأبيض المتوسط، كما أنّ استثمار هذا الرصيد المشترك يفتح آفاقا واسعة لتعزيز الحوار بين الثقافات في مرحلة عالمية تتّسم بكثرة التجاذبات، التي تتطلب العودة إلى الجذور الإنسانية المشتركة، وقيم السلام التي نادى بها أوغسطين من على منبره في هيبون قبل قرون طويلة، ما يعطي لتواجد البابا ليون الرابع عشر اليوم في بلادنا، دلالات رمزية تتخطّى لغة السياسة والمصالح الضيقة، نحو آفاق أرحب من التفاهم والعيش المشترك.
ويمكن قراءة هذه الخطوة ضمن إطار أشمل يتعلّق بالدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة التي تمتلك الجزائر أدواتها بامتياز، إذ يُعتبر هذا العامل من أهم المحرّكات الحديثة في نسج العلاقات الدولية وبناء جسور الثقة مع مختلف الدول والشعوب، تماما كما نجحت الدبلوماسية الجزائرية في استثمار روابطها الروحية والتاريخية في سياقات أخرى، على غرار الإشعاع الروحي للزاوية التيجانية في إفريقيا، وتأثير شخصية الإمام المغيلي في منطقة الساحل، فضلا عن العلاقات المتميزة المبنية على الاحترام المتبادل والموروث المشترك مع دول مثل سلطنة عمان، وبالتالي، فإنّ التوظيف الذكي لهذه الجسور الثقافية مع الفاتيكان من شأنه أن يعزّز من موقع الجزائر في المحافل الدولية كدولة تمتلك أوراقا ناعمة قادرة على التأثير الإيجابي وصناعة الفارق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وفي السياق المتمحور حول آليات القوة الناعمة، فإنّ انفتاح الجزائر على محيطها الدولي عبر بوابة الإرث الأوغسطيني، ينسجم تماما مع توجّهات السياسة الخارجية الرامية إلى تنويع الشركاء وتوسيع دائرة التأثير، حيث لا يقتصر الأمر على تبادل الزيارات الرسمية، بل يتعدى إلى خلق منصّات دائمة للتواصل الثقافي والأكاديمي، كأن يتم تفعيل دور المؤسّسات البحثية وإبراز الوجه الحضاري للجزائر كأرض خصبة أنجبت شخصيات غيّرت مجرى التاريخ الفكري العالمي، كما يمثل هذا التقارب فرصة ثمينة لتسويق السياحة الدينية والثقافية، في مناطق مثل سوق أهراس وعنابة وتطوير البنية التحتية المرافقة لها، ما ينعكس إيجابا على التنمية المحلية ويجعل من التاريخ رافدا من روافد الاقتصاد الوطني، وأداة فعّالة في بناء صورة ذهنية إيجابية ومشرقة عن البلاد في المخيال العالمي.
من جهة أخرى، تفرض لغة الأرقام والمعطيات الديموغرافية قراءة متأنية لطبيعة هذا المشهد، حيث نتحدث هنا عن زعيم روحي يمثل أكثر من مليار وأربعمائة مليون من أتباع الكنيسة الكاثوليكية المنتشرين في كافة قارات العالم، ما يضعنا أمام واقع يتجاوز الطابع الكلاسيكي لزيارات قادة الدول، فإذا كانت زيارات رؤساء دول كبرى من حيث القوة الاقتصادية أو التعداد السكاني ذات أبعاد جيوسياسية محدّدة، فإنّ بابا الفاتيكان يمثل كتلة بشرية عابرة للقارات والحدود السياسية، وهو ما يمنح هذا التواصل وزنا اعتباريا استثنائيا يجعل من الرسائل، التي ستصدر من الجزائر اليوم ذات صدى عالمي يتردّد في مختلف العواصم والدوائر المعنية بصناعة القرار الدولي.



