التّحديات الدّولية تتطلّب مراجعة الذّاكرة التّاريخية وبناء خطاب أكثر توازنا وانفتاحا
زيارة البابا ردّ قوي على التّقارير الكيدية الكاذبة حول الحريات الدينية في الجزائر
يؤكّد الأستاذ الجامعي ومدير ديوان جامع الجزائر سابقا، بومدين بوزيد، أنّ زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر تحمل رمزية قويّة، تتجاوز الطابع الديني إلى أبعاد إنسانية وحضارية، مبرزا أنّها تعكس توجها متجددا للكنيسة نحو الانفتاح على الآخر وتعزيز قيم التعايش، وأكّد أنّ هذا الحدث يشكل فرصة لإعادة قراءة الذاكرة المشتركة وبناء جسور الثقة بين الأديان، في ظل تحديات دولية تستدعي خطابا أكثر اعتدالا وتوازنا. الدكتور بومدين بوزيد أجاب على أسئلتنا في هذا الحوار.. إليكموه.
– الشعب: كيف تقرأون رمزية زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر في هذا الظرف الدولي؟
الأستاذ الجامعي بومدين بوزيد: زيارته لدولة إسلامية ارتبط عندها الثورة والاستقلال بالإسلام، و»الله أكبر» معناه السير في رؤية الكنيسة الكاثوليكية منذ مجمعها الأخير «1962- 1965» والذي اعتبر تحولا كبيرا في تاريخ الكنيسة، هي اليوم رؤية مبنية على أن الفاتيكان منفتح نحو البشرية والأديان، وأنّ خدمة الكنيسة ليست فقط لأتباعها، ولكن لكل الإنسانية، ومن هنا تركيزها على خدمة الفقراء والأيتام وقضايا الهجرة، كما تحمل هذه الزيارة من الناحية الدينية مواصلة «تطهير الذاكرة» تجاه تاريخ الحروب الصليبية وأخطاء الكنيسة، وبالنسبة لنا ارتباطها في الجزائر بالاستعمار الفرنسي والتبشير في بعض المناطق، لكن رسالة البابا في زيارته مفادها أن هناك مسيحية كاثوليكية وطنية وإنسانية في الجزائر شاركت في الثورة ودعمت الاستقلال ومنهم المسمّى «محمد دوفال» الذي نال الجنسية الجزائرية في عهد الرئيس بن بلة.
هناك رسالة أخرى، فمنذ توليه البابوية، أعلن البابا ليون الرابع عشر «أنه الابن الروحي لأوغسطين»، أي ينتمي للرهبنة الأوغسطينية، وهو تيار يقوم جوهر الإيمان عنده على خدمة الآخرين، وأنّ لا حياة بدون الآخر، وهو تراث أوغسطيني ألهم الفلاسفة ومنهم هيدغر وحنا أرندت وبول ريكور، وهذا يجعلنا نعتبر أوغسطين السوقهراسي الهيبوني أفضل ما أهدت الجزائر للعالم، كما نشير هنا إلى رهبان تيبحرين والأخوات بباب الواد أوغسطينيين.
– ماذا تضيف هذه الزّيارة لمسار الحوار بين الأديان من منظوركم؟
اليوم، هناك مراجعات لهذا المفهوم عندنا وعندهم، فبدل الحوار أصبحنا نستعمل التعايش، لأنّ الحوار قد يكون قصده إقناع الآخر، فلكل ديانته، ولكن إذا كان القصد النقاش والتداول في قضايا تجمعنا، فليكن، إذن، بدل «الحوار» و»التعايش» الذي قد يلتبس برؤى أخرى، وله تلقٍ سلبي عند البعض..لنعد إلى ما تحدثت عنه في ندوتي الأخيرة بـ»المحكمة الدستورية»، لنعد إلى استخدام مفهوم «التّساكن»، وهو لفظ قرآني «السّكينة»، ودلالات «السّكن» في القرآن السلم والعيش معا والطمأنينة والأمان، وهو مضمون ما تحدّث عنه ابن خلدون في مقدّمته.
– ما دلالة إدراج جامع الجزائر ضمن محطّات الزّيارة؟
إنّ البداية من الجامع قبل الكنيسة رسالة واضحة عن «الإخوة الإنسانيّة»، وهو التّعبير الذي استعمله الشيخ ابن باديس، ورمزية اللوغو، اليمامتان اللّتان تشربان من منبع واحد (فسيفساء عنابة القديمة) ووسط اللوغو «السّلام عليكم»، هي دلالة مكثّفة ذات معان سامية. ففي زيارته للجامع قطيعة مع ذاكرة لافيجري الذي كانت كنيسته في هذا المكان (المحمدية)، وأخطأ لافيجري تأويل النص الانجيلي ورسالة بولس التي مضمونها خدمة الإنسانيّة وليس التنصير وتحويل الناس عن دينهم، وتأييد الاستعمار، وتشويه ذاكرة بلد وربطها بالاستعمار الروماني. وقوفه في مكان لافيجري نتمنّى أن يكون رسالة واضحة أنّ الديانة مهما كانت طبيعتها وأصولها عليها أن تقف مع الحق والضعيف والعدالة، وهو جوهر «الرّهبنة الأوغسطينية».
يذكرنا في حال حصول ذلك – بحول الله – بسلفه فرانسيس الذي زار أمريكا اللاتينية 2015، وقال «اطلب الصّفح عن ماضي ما لحق شعوب أمريكا الأصليين»، وهذا معناه ما يؤمن به بعض محيط البابا الحالي بـ «تطهير الذاكرة»، كما أتذكّر هنا «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي أمضاها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب مع البابا السابق. وفي تاريخنا تراسل وتبادل حاكم بجاية الحمادية الناصر بن علناس مع البابا غريغوار، وتم تعيين قسيس لرعاية المسيحيين في بعض مدن الشرق الجزائري، وكانت إقامته في عنابة.
– كيف يجسّد الجامع الأعظم نموذج الإسلام الوسطي المنفتح؟
الجامع في نصوصه التنظيمية من أهدافه خدمة الوسطية والتسامح والحوار، ولكن يقتضي ذلك آليات ورؤية بعيدة المدى، فهو «سفيرنا الديني الناعم» أو بعبارة أخرى «وزارة الخارجية الناعمة»، ويمكن أن يؤدي هذه الأدوار الحضارية في إفريقيا، ويكون أساس الجسرية الثقافية والحضارية والسياسية بين الضّفتين، وهنا أدعو إلى أن يولي مركز البحثي والدراسات العليا أهمية للأديان وقراءتها بروح جديد، وليس بروح «البغدادي» أو «الشهرستاني» الذين كتبوا عن الفرق والنّحل بحكم عصرهم وانتماءاتهم المذهبية.
– ما الرّسالة الحضارية التي تحملها الجزائر اليوم إلى العالم؟
جُرح التاريخ والفهم الموروث، عاملان يؤثران في بناء تفاهم وتعايش ديني وحضاري سواء عند المسلمين أو عند أتباع الديانات الأخرى، ولذا، وجب تفكيك خطاب الصّورة المُشكلة لكل أتباع دين، والتي ترسّمت بعامل الحروب والاستعمار واحتلال فلسطين ونهب ثروات الشعوب الضعيفة، فمازال الإعلام والخطاب الديني الإلغائي للآخر، يمارس عداوة وتشويها مثل قناة «الحياة» المسيحية، كما يلعن بعض منّا المسيحيين واليهود غير مفرّق بين الديانة السّماوية وفِعْل الصهيونية، كما فرّق ذلك بحصافة عقل وإدراك شيخنا ابن باديس.
إنّ زيارة البابا وروح الوسطية في ثقافتنا..في أرض بلد عانى من توظيف الدّين لأغراض حرب وعنف..أرجو أن تكون رسالة من الجزائر والقائمين على المسيحية عندنا إلى أن «المصالحة» ليست قانونا وتعويضات فقط، ولكنها قيم وأخلاق، كما أنّ ذلك رسالة إلى الذين يُصِرون سنويا في تقاريرهم، لمزا وتشويها مقصودا لصورة الجزائر، واعتماد قصاصة أوراق صحف وتقارير كاذبة عن التضييق في الحريات الدينية في الجزائر.
إنّ تاريخ الجزائر منذ القدم إلى ثورتها المباركة وديبلوماسيّتها اليوم قائِمة على الدّعوة إلى السّلام، واحترام سِيادة الدُّول والدّفاع عن استقلالها وتقرير مَصير الشّعوب، يمكن تسمية ذلك «ديبلوماسية الكرامة»، وقد كان للبُعد الرّوحي والدّفاع عن الأرض والحرية، الأثر في صَقْل شخصيّة الجزائري، وأثر ذلك في مواجهة الأزمات والمِحن، وهي بهذا الزّخم التّاريخي والرّوحي جِسْرٌ لا ينكسِر، يتفاعل ويتأثّر ويُؤثّر مع الاحتفاظ بخصوصيّته التّاريخية والدّينية والثّقافية..هي الجسْرُ بين الضِّفتين.
لقد ارتبط السّلم والتّسامح والتّعايش بالكَرامة التي تعني الاستقلال والحرية والوحدة، وهذه المنظومة القيْميّة عالميّة من حيث المبدأ، لكنها تعني بالنسبة للجزائر الحقّ في الوجود والحرية والأرض قبل كل شيء، وقد استلهمت النّخب الجزائرية هذه القِيم وفلسفتها من تراثها العريق، ومن الدِّين الذي اختارته وامتزج بتقاليد شعبيّة إنسانيّة تجلّى في الفكر والفنّ والثّقافة، وكان التّصوف وحركاته الاجتماعية أبلغ تعبير عن ذلك في الدّعوة إلى التّسامح والتّعايش والابتعاد عن التّكفير والتطرّف.



