دبلوماسية دينية.. وجولة بدلالات سياسية وحضارية
الجزائر كانت ولا تزال أرضا ولاّدة للفكر والفلسفة
يرى المختص في تاريخ الإعلام، الدكتور سعيد شكيدان، أنّ القائمين على الشأن الدبلوماسي والثقافي بالجزائر أمام فرصة ذهبية، على اعتبار أنّ الزيارة البابوية تذكير للعالم بأن الجزائر كانت ولا تزال أرضا ولاّدة للفكر والفلسفة التي صاغت وجدان الإنسانية، وأنّ شخصية القديس «أوغسطين» الجزائري، هو اليوم أقوى سفير فوق العادة للجزائر في قلب أوروبا.
قدّم سعيد شكيدان في تصريح لـ «الشعب» قراءة معمّقة لزيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر، مؤكّدا أنّها تحمل كثيرا من الدلالات السياسية والحضارية، باعتبارها تندرج فيما يسمّى بـ «الدبلوماسية الدينية»، فيما يبرز فكر القديس أوغسطين، كجسر بين ضفتي المتوسط.
واعتبر شكيدان أنّ زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر اليوم، تتجاوز أبعادها الدينية التقليدية لتشكّل استثمارا استراتيجيا في الدبلوماسية الدينية، مؤكّدا أنّ شخصية القديس أوغسطين تمثل المفتاح الأساسي للصورة الذهنية الإيجابية للجزائر بما هي أرض السلام والحوار والقبول الإنساني.
وفي قراءة لعمق العلاقة بين الفاتيكان والجزائر، أشار المتحدّث إلى معطى جوهري يتعلق بشخصية البابا الحالي، وهو أنّه مولع بأدبيات وفلسفة القديس أوغسطين، بل إنه أعلن صراحة منذ تنصيبه أنه من أتباع النهج الفلسفي لأوغسطين
وشدّد محدّثنا على ضرورة الاستثمار في هذا الجسر الحضاري، مذكّرا بأنّ القديس أوغسطين هو شخصية عالمية من أصول جزائرية أمازيغية، لعب دورا محوريا في تطوير فلسفة الكنيسة وتراثها باعتباره فيلسوفا ومفكرا في التراث المسيحي الكاثوليكي، بل ومن أكبر الشخصيات في تاريخ المسيحية، ما يجعله ملكية تاريخية للذاكرة الجزائرية قبل أي اعتبار آخر.
ويرى شكيدان أنّ هذا الواقع الديني في العلاقات الدولية يمثّل ثروة إنسانية وفكرية يجب أن يستفيد منها العالم، موضّحا أنّ هذه الزيارة تخدم الإنسانية قاطبة في عدة نقاط استراتيجية، تتعلّق ببناء وترسيخ سلام عادل دائم منطلقه الجزائر كبلد للترحاب، التسامح، واحترام الآخر، خاصة وأن الرمزية الروحية الكبيرة للشخصية البابوية في المجتمعات الغربية، تعزّز الحوار بين الحضارات.
في المقابل، أشار محدّثنا إلى أهمية الاستفادة من الذاكرة المشتركة، وذلك عبر إعادة الاعتبار للرموز التاريخية المشتركة كأداة لتعزيز جسور التعاون بين الجزائر وأوروبا خاصة في الدبلوماسية والعلاقات الدولية، مؤكدا أن الكنيسة كانت دائما حاضرة في العلاقة الدولية وفي السياسات الخارجية للدول.
وحول امكانية استغلال إرث مسيحي في بناء خطاب معاصر، أكّد المتحدّث قائلا: «الإرث الديني المسيحي القديم هو جزء من تراثنا وتاريخنا الأصيل»، داعيا إلى ضرورة توظيف هذا التراكم الفكري لبناء صورة دبلوماسية معاصرة تعكس التنوع والثراء الثقافي الذي تزخر به الجزائر، وذلك من خلال الاستثمار في هذا المضمار من أجل إقامة جسور تعاون واستثمار بين الجزائر وأوروبا، خدمة لمصلحة الجزائر.



