السّيادة على التاريخ تقتضي رؤية شاملة لتثمين الموروث اللاّمادي
أكّد صدام حسين سرايش باحث ورئيس الأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث، أن الرقمنة، رغم دورها في نشر التراث وتسهيل الوصول إليه، تطرح تحديات عميقة تتعلق بالحفاظ على أصالته وأبعاده الزمانية والمكانية، كما شدد على أن إعادة ربط الأجيال بتراثها ضرورة ملحة، تتطلب توازنا بين التوظيف التكنولوجي والوعي الثقافي.
أوضح سرايش صدام حسين في تصريح لـ «الشعب»، أن استدامة التراث اللامادي في العالم الرقمي تمثل اليوم قضية محورية ترتبط ارتباطا وثيقا بمصير التاريخ ذاته، مشددا على أن حماية التراث بمختلف مكوناته أصبحت ضرورة لا يمكن تجاهلها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وأشار إلى أن العناصر المادية واللامادية للماضي لا تقتصر على كونها شواهد زمنية، بل تشكّل «بوصلة» توجه المجتمعات نحو فهم حاضرها واستشراف مستقبلها، مؤكّدا أنّ إعادة بناء الصلة بين الأجيال وتراثها حاجة ملحّة تفرضها متطلبات الحفاظ على الهوية الثقافية وضمان استمراريتها.
ولفت المتحدّث إلى أن الرقمنة المتسارعة فتحت آفاقا جديدة أمام نشر التراث وإتاحته على نطاق واسع، خاصة من خلال التكنولوجيا الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي سهلت الوصول إليه والتعريف به، غير أنه أوضح في المقابل أن هذه التحولات تطرح إشكالات عميقة تدفع إلى التساؤل حول طبيعة التراث وحدود تمثيله داخل البيئة الرقمية، ومدى ملاءمة هذه الأخيرة لحفظه وصونه.
وأوضح سرايش أن التراث – بطبيعته – يقوم على بعدين أساسيين هما: البعد الزمني المرتبط بتراكم التجارب عبر الأجيال، والبعد الجغرافي المرتبط بالمكان الذي نشأ فيه، حيث يتجذر في سياقات اجتماعية وثقافية محددة، وأضاف أن البيئة الرقمية تتميز بطابعها العابر للحدود وسرعة تداول المعلومات وتغيرها المستمر، وهو ما يخلق نوعا من التباين بين طبيعة التراث الثابتة نسبيا وطبيعة الفضاء الرقمي المتحولة، وأكد أن هذا التباين يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الرقمنة على الحفاظ على الأبعاد «الزماكانية» للتراث، دون أن تفقده خصوصيته أو تفصله عن سياقه الأصلي، مبرزا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عملية الرقمنة بحد ذاتها، بل في كيفية تحقيق توازن دقيق بين التوثيق الرقمي والحفاظ على الأصالة.
ولفت محدّثنا إلى ضرورة اعتماد مقاربات علمية وثقافية شاملة تضمن استدامة التراث في البيئة الرقمية، مع تفادي اختزاله أو تشويهه، داعيا إلى إشراك مختلف الفاعلين، خاصة فئة الشباب، في جهود حماية التراث وتثمينه، باعتبارهم حلقة وصل أساسية بين الماضي والمستقبل.
وختم الباحث تصريحه بالتأكيد على أن حماية التراث في العصر الرقمي تتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والوعي الثقافي، بما يسمح بتحويل التراث إلى عنصر حي ومتجدد، يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، مع ضمان نقله للأجيال القادمة في أفضل الظروف الممكنة.







