يظل التراث الثقافي الجزائري في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتشابك فيه الهويات داخل فضاءات العولمة، ركيزة أساسية لحفظ الذاكرة الجماعية وصون الخصوصية الحضارية، كما تؤكد البروفيسور سعاد بسناسي، في تصريح لـ «الشعب».
تعتبر البروفيسور بسناسي أن شهر التراث فرصة لإعادة التفكير في أدوات الحاضر، التي تتيح لنا إعادة صياغة علاقتنا بالذاكرة، وأن نمنحها حياة جديدة عبر الرقمنة، بما يجعلها أكثر حضورا وتأثيرا في وعي الأجيال المقبلة.
وقالت بسناسي إن التراث الثقافي الجزائري أصبح بما يحمله من تنوع لغوي وموسيقي ومعماري وشعبي، في مواجهة تحديات النسيان والتآكل بفعل الزمن والعولمة، وهنا تبرز الرقمنة كوسيلة استراتيجية لحفظ الذاكرة الجماعية، إذ تتيح تحويل المخطوطات، والصور، والتسجيلات الصوتية، والقطع الأثرية إلى أرشيف رقمي قابل للتداول عبر منصات مفتوحة.
وذكرت المتحدثة أن هذا التحويل يخلق جسرا بين الأجيال، حيث يمكن للشباب أن يكتشفوا التراث عبر تطبيقات تفاعلية ووسائط متعددة، مما يعزز وعيهم بأهمية الهوية الثقافية ويجعلها جزءا من حياتهم اليومية، مشيرة إلى أن الرقمنة، بهذا المعنى، هي وسيلة مقاومة للنسيان وإعادة إنتاج للذاكرة في فضاء عالمي.
من جانب آخر، اعتبرت البروفيسور بسناسي أن التراث يتحول حين يدخل فضاء الرقمنة إلى مادة خام للإبداع، فالموسيقى الشعبية يمكن أن يُعاد مزجها رقميا لتنتج أنماطا جديدة تستلهم الماضي وتخاطب الحاضر، والعمارة التقليدية يمكن أن تُستثمر في تصميمات افتراضية تفتح آفاقا للسياحة الثقافية الرقمية.
كما أن الحكايات الشعبية – تضيف – حين تُحوّل إلى محتوى تفاعلي أو ألعاب تعليمية، تصبح وسيلة لتعليم القيم واللغة بطريقة مبتكرة، مؤكدة أن الرقمنة تمنح التراث حياة ثانية، حيث لا يبقى أسيرا للماضي، بل يصبح منبعا للتجديد الفني والفكري، وهنا يلتقي الحفاظ على الأصالة مع إطلاق العنان للخيال، في توازن يثري المشهد الثقافي الجزائري ويمنحه قدرة على المنافسة في فضاء الإبداع العالمي.
لكي تؤتي ثمارها وتضمن استدامة المشاريع، فإن أول هذه الاستراتيجيات هو بناء شراكات بين المؤسسات الأكاديمية، المتاحف، والجمعيات الثقافية، لتوحيد الجهود وتبادل الخبرات.
ثانيها هو اعتماد معايير تقنية موحدة تضمن سهولة الوصول والتحديث المستمر للبيانات، بما يحول دون ضياعها أو تقادمها وثالثها إشراك المجتمع المحلي في هذه المشاريع، عبر مبادرات تشاركية تجعل المواطن حارسا للذاكرة الرقمية، لا مجرد متلقٍ لها وأخيرا، لا بد من توفير تمويل مستدام، سواء عبر دعم الدولة أو عبر شراكات مع القطاع الخاص، لضمان استمرار هذه المشاريع وعدم توقفها عند حدود المبادرات الفردية.
وفي ختام حديثها أضافت البروفيسور بسناسي أن الرقمنة ليست مجرد عملية تقنية، بل هي مشروع ثقافي شامل يربط بين الحفظ والوعي، بين الإبداع والابتكار، وبين الاستدامة والمسؤولية، معتبرة في سياق التراث الجزائري، أنها تمثل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر، ولجعل الهوية الثقافية أكثر حضورا في العالم الرقمي، حيث تصبح الجزائر قادرة على أن تعرض للعالم ثراءها الحضاري في صورة حديثة، متجدّدة، وفاعلة.







