أكدت الدكتورة جنات زراد، المختصة في التراث والثقافة الشعبية بجامعة الشهيد الشيخ «العربي التبسي» بولاية تبسة، أن الجزائر تشهد حركية متسارعة في مجال رقمنة التراث الثقافي، عبر منصات رقمية وتطبيقات ومشاريع ميدانية، تهدف إلى حفظ الذاكرة الوطنية وتثمين الموروث الثقافي. وأوضحت أن هذا التحول يعكس انتقال التراث من فضائه التقليدي إلى فضاء رقمي تفاعلي يجمع بين الحفظ والترويج والإبداع.
أشارت الدكتورة زراد إلى أن «الثورة الرقمية التي تعرفها الجزائر أعادت تشكيل علاقة الإنسان بذاكرته الفردية والجماعية، بما في ذلك التراث، حيث لم تعد طرق الحفظ والاسترجاع تعتمد فقط على الوسائل التقليدية، بل انتقلت إلى فضاءات رقمية حديثة».
وأضافت في تصريح لـ «الشعب»، أنّ هذا التحول «أفضى إلى انتقال التراث من فضائه المادي المحصور في المخطوطات والمتاحف والمواقع الأثرية إلى فضاء رقمي مفتوح، يتيح حفظه وتداوله والوصول إليه بشكل أوسع، بما يعكس تغيرا عميقا في طريقة تعامل الإنسان مع ذاكرته الثقافية».
وفي هذا السياق، ضربت الدكتورة زراد عددا من الأمثلة التي تجسد هذا التحول، من بينها إدراج طقس «أهليل قورارة» سنة 2008 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، وما رافقه من تسجيلات رقمية بالصوت والصورة للحفاظ على هذا الفن الشفوي الجماعي، إدراج «الكسكس» سنة 2020 كتراث ثقافي غير مادي، مرفقا بتوثيق طرق تحضيره في عدة مناطق من الوطن، إضافة إلى تحديث آلاف المخطوطات والوثائق التاريخية النادرة بالمكتبة الوطنية خلال الفترة ما بين 2010 و2015، فضلا عن توثيق مواقع أثرية كبرى مثل تيمقاد باستخدام تقنيات التصوير الرقمي عالي الدقة.
وأكّدت المتحدثة أن «هذه المبادرات لا تقتصر على الحفظ فقط، بل تفتح فضاءات واسعة للإبداع، إذ تمكن الفنانين والمبدعين من استلهام عناصر التراث وإعادة توظيفها في مجالات متعددة مثل الموسيقى والسينما والتصميم».
وأوضحت أنّ الرقمنة «ساهمت في تجديد الأغاني الشعبية ودمج الموسيقى التراثية في أعمال معاصرة، إلى جانب إعادة تصميم الزخارف التقليدية رقميا واستعمالها في الأزياء والتصميم الغرافيكي، فضلا عن إتاحة جولات افتراضية في مواقع أثرية كقصبة الجزائر، وإنتاج أفلام وثائقية حول التراث الشعبي في مناطق مثل الأوراس».
وفي المقابل، حذّرت زراد من أن «توظيف الرقمنة وفق منطق السوق أو الذوق العالمي قد يؤدي إلى تشويه التراث أو تفريغه من سياقه الأصلي»، مؤكدة على «ضرورة ربط الابتكار بوعي ثقافي يحترم السياق التاريخي والاجتماعي»، وأضافت الأستاذة زراد أن الرقمنة «تمثل فضاء جديدا لإعادة التفكير في التراث، وتحويله إلى طاقة إبداعية متجددة، لكنها تحتاج إلى ضوابط تحميه من التحول إلى مادة استهلاكية تفقد عمقها الرمزي».
وبخصوص استدامة المشاريع الرقمية، أوضحت الدكتورة أن نجاحها «يتطلب مقاربة شاملة تشمل البنية التحتية، حوكمة البيانات، إدارة المحتوى، تفاعل الجمهور، والصيانة طويلة الأمد».
ودعت في هذا الإطار إلى «إدماج الرقمنة ضمن السياسات الثقافية الوطنية، وإنشاء منصات محلية للأرشفة، واعتماد معايير دولية في حفظ البيانات، مع التحديث الدوري للمحتوى وإشراك المجتمعات المحلية في توثيق التراث الشفوي، خصوصا في مناطق مثل خنشلة وتبسة وأدرار، حيث ما يزال هذا التراث حيا عبر الأغاني والحكايات والطقوس الجماعية، لكنه يواجه ضعف الحضور الرقمي مقارنة بالمدن الكبرى».
كما شدّدت المتحدثة على أهمية «ربط التراث الرقمي بالسياحة الثقافية، وتطوير آليات تمويل عبر شراكات وطنية ودولية، إلى جانب تأهيل الكفاءات الوطنية في هذا المجال». وأكدت أن «التجربة الجزائرية في مجال الرقمنة لم تقتصر على حفظ التراث، بل تمثل تحولا ثقافيا عميقا يجعل منه رصيدا رقميا حيا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح قيمة مضافة للاقتصاد والسياحة، مع إبراز شهر التراث كفرصة سنوية لإظهار هذا الموروث عبر مختلف الأنشطة الثقافية في الوطن».







