أكدت أنيسة فلاك، محافظ التراث الثقافي بالمتحف العمومي الوطني للفنون والتعابير الثقافية التقليدية لقسنطينة، أن التحول الرقمي لم يعد خيارا ثانويا، بل أضحى ركيزة أساسية في استراتيجيات حفظ الذاكرة الوطنية وتثمين الموروث الثقافي الجزائري، موضحة في حديثها لـ «الشعب»، أن التكنولوجيا هي الكفيلة بتحويل التراث من مادة تاريخية جامدة إلى مصدر حي للديناميكية والابتكار.
أشارت أنيسة فلاك في معرض حديثها عن آليات الحفظ، إلى أن الرقمنة تساهم بشكل جوهري في حماية الموروث الثقافي عبر عمليات التوثيق والأرشفة الرقمية، مما يحميه من الضياع ويجعله متاحا للجميع، مبرزة أن تعزيز الوعي بأهمية هذا الموروث يتم اليوم عبر منصات تفاعلية وتجارب حديثة مثل الواقع الافتراضي.
كما استشهدت بنموذج «قصر الحاج أحمد باي»، حيث اعتبرت خاصية عرض المعلم بتقنية الثلاثية أبعاد أنموذجا رائدا في الاعتماد على الرقمنة لصون وتثمين المعالم الأثرية، وهو ما يساهم بشكل ملموس في تعزيز الجذب السياحي وتثمين هذا المعلم الأثري.
وحول دور التقنيات الحديثة في دفع عجلة الإبداع، أوضحت المحافظ أن الرقمنة تُسهم بفعالية في إعادة إنتاج التراث وتقديمه بصيغ رقمية حديثة تسمح بحمايته من الاندثار، كما توفر فضاء خصبا للبحث العلمي والإبداع الفني، حيث تسمح بإعادة توظيف العناصر التراثية في مجالات متعددة مثل التصميم، والصناعات الثقافية، والتعليم، والسياحة الثقافية.
وأضافت أن النمذجة ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي لا تُحسن تجربة المتلقي فحسب، بل تدعم التبادل المعرفي بين مختلف الفاعلين الثقافيين والبحثيين، مما يساهم في تطوير طرق جديدة للإنتاج الثقافي تواكب التحولات التكنولوجية المعاصرة، وتُحول التراث إلى مصدر إلهام ديناميكي.
وفي سياق متصل، استعرضت فلاك أنيسة جملة من الاستراتيجيات لضمان استدامة المشاريع الرقمية، مؤكدة على ضرورة التخطيط طويل المدى وتفعيل الشراكات بين المؤسسات الثقافية والجامعات والهيئات التقنية لضمان التحديث الدائم للمحتوى.
وفي نقطة جوهرية، لفتت المتحدثة الانتباه إلى التحديات التي تواجه هذا القطاع، وعلى رأسها الحاجة إلى تنويع مصادر التمويل، مشيرة بوضوح إلى النقص الذي تعاني منه مؤسساتنا الثقافية في هذا الجانب، لاسيما فيما يخص تمويل الخواص، وهو ما يتطلب رؤية جديدة لجلب الاستثمار نحو قطاع التراث.
واختتمت فلاك حديثها بالتأكيد على أن نجاح هذه المشاريع مرهون بتكوين موارد بشرية مختصة واعتماد معايير تقنية عالمية، تضمن حفظ البيانات وسهولة الوصول إليها مستقبلا، مع ضرورة إشراك المجتمع المحلي في هذه العملية لضمان فعاليتها على المدى الطويل.







