سجـــــل الآلام والآمــال.. تأريــخ للمآسـي الاجتماعيـة وافتخـار بالبطـولات الوطنية
الغناء السراوي.. شكل من أشكال التراث الشعبي الجزائري، ترتبط مضامينه بموضوعات وقضايا ذات أبعاد اجتماعية ونفسية وتاريخية عميقة، تعبر عن خصوصية اجتماعية، تتضمن حكايات وأقاصيص شعبية مأثورة عن المروءة والحرية والوطن والحب، وتمثل سجلا شفويا أضحى – مع مرور الزمن – جزءا لا يتجزأ من عادات وتقاليد المنطقة الشرقية، إذ لا يكاد عرس ولا مناسبة ثقافية غنائية، إلا تأخذ منه صبغة ولونا.
ما يمنح هذا الغناء نكهته الخاصة، ويميّزه عن باقي الطبوع الموسيقية والغنائية المتنوعة بالجزائر، كلماته المتميزة والمتضمنة لأحرف مد عالية، تتناغم والصرخة أو “العيطة”، إذ يحرص فيه المؤدي على مد طبقات صوته تلاءما مع المضمون أو الغرض الغنائي المؤدى، من فرح أو حزن أو مدائح دينية، أو قضايا اجتماعية.
سر “السراوي”.. البادية والمرتفعات تشير بعض الروايات عن أصل ونشأة هذا “السرواي”، إلى اقترانه بالأماكن المرتفعة من الأرض والجبال، أين كانت النسوة تطلقنّ العنان لصوتهن العالي، بألفاظ وعبارات متميزة ومتناسقة الحروف، تعبر عما يدور في خاطرها من أحاسيس وخواطر، خلال رحلة الرعي، أو أثناء عملية غسل الصوف وجني الثمار والمحاصيل في الجبال وعلى ضفاف الأنهار، مستغلة في ذلك تجاوب الحروف وتكرارها مع ظاهرة الصَّدى التي تكون في الطبيعة والجبل .
الســراوي.. أصـل أغنية الشّـــــرق الجزائـــري
يؤكّد الفنان ومؤلف الكلمات جمال عريبي لـ “الشعب”، أن السرواي ارتبط في الأصل بالبيئة المحلية التي يعيش فيها الجزائري، وتطور مع الوقت، لتنبثق منه أغان وأشكال على اختلاف المكان واللهجة، ومنه الغناء القبائلي الذي يمتاز بسرعة في الإيقاع والرقص تماشيا مع خصوصية البيئة، وكذا الغناء الشاوي والنايلي المنبثق عن الغناء السراوي الذي يمتاز ببطء في حركة الإيقاع تماشيا مع نمط الكلمات والبيئة، وكذلك الشأن بالنسبة للغناء السطايفي، فكل هذه الألوان الغنائية ترجع في أصلها إلى الغناء السراوي البدوي المرتبط بالمرتفعات الجبلية والأراضي الريفية المعزولة.
أما سهام سديرة، وهي الباحثة في التراث اللامادي بجامعة قسنطينة، فتؤكد لـ “الشعب” على ارتباط ظهور هذا الغناء بمسألة الأنا الفردي، وبالـ “نحن” وتخص بالذكر منطقة سطيف في الشرق الجزائري، فهو “يعكس تجربة الفرد والمجتمع، ووعيه بذاته باعتباره جزء لا يتجزأ من ثقافة مجتمعه ويندرج في سياق الوسائل التعبيرية، المعبرة عن حاجات الفرد وآماله وواقعه في أي وسط اجتماعي، وعلى هذا الأساس فإن هذا النمط يبدو جليا في كيفية التعبير عما يجيش في نفس الفرد والمجتمع على حد سواء.
أما الظروف الثقافية، فالسراوي – تقول المتحدثة – “يختلف من مجتمع إلى آخر، وهذا الاختلاف يعود بطبيعة الحال إلى اختلاف الثقافة ومستوى التحضر، لكنه ينتشر على العموم في مناسبات مختلفة”، وأضافت” “لعل الأعراس هي المناسبة لانتشار هذا النوع من الأغاني إلى جانب المناسبات الدينية وغيرها، فهو امتداد للثقافات المحلية، ويمثل حلقة متصلة ترتبط بالتقاليد، والقيم والعادات المحلية الجزائرية، كما أنه يجسد درجة التحضر والتلاحم والتعبير عما تجيش به الحياة”.
وتطرقت سديرة إلى درجة التوافق الكبيرة بين الغناء السراوي والمواويل الشرقية، لاسيما وأنه يعتمد على قوة الصوت ورخامته و«تؤديه في أغلب الأحيان النسوة اللواتي يتمتعن بصوت جبليّ قوي، يؤدى فرادى وجماعات، وفي أغلب الأحيان يؤدى ثنائيا، بين اثنتين الواحدة تؤدي والأخرى تردد وتكرر وتعيد ما قالته الأولى وهكذا.. كما يؤديه الرجال بصبغة ارتجالية انفرادا”.
سجــل لنقـــل القيــــــــم الوطنيـة والتاريخيـة
وقالت الباحثة سديرة إن السراوي يتحدث عن مواضيع مختلفة تنبثق من التناقضات الاجتماعية، والاقتصادية، والتصور الروحي للكون كضرورة اجتماعية، وظل هذا النمط “يصطدم بصراعات متضمنة لانفعالات الإنسان وهمومه وطموحاته المشروعة، فكان السراوي يشارك في الكشف عن الزيف الذي ينخر جسد الأمة تارة، ويساهم في ثورة التحرير المجيدة مناديا بالحرية تارة أخرى، ويمكن أن يكون رومانسيا يعبر عن احتجاج عفوي، وينتقل إلى مغزى صوفي، مثل آلة التصوير لا تنافق ولا تماري”.
وأضافت سديرة أن الغناء السراوي تناول المأساة التي عاشها الشعب الجزائري إبان الاحتلال الفرنسي الغاشم، الذي تميز واقعه بالجهل والتعاسة والشقاء والبؤس، وكانت دافعا لأن تعلو الأصوات معبرة عن هذا الواقع المزري “وهي أصوات صادقة وجريئة، عبرت عن هموم ومعاناة الجماهير الشعبية، رافضة للاستسلام وللمستعمر، وهكذا انتقل هذا النمط من الوظيفة الترفيهية والجمالية إلى الوظيفة الاجتماعية والإنسانية التي تخدم الوطن”.
لـــون فني قائــم بذاتـــــه
سجلت الباحثة سديرة، في سياق حديثها عن تطورات مست هذا اللون الغنائي الأصيل، وبلورته ليصبح لونا غنائيا وفنيا قائما بذاته، حيث اقترنت ممارسته من طرف الرجال والنساء في البداية، بالاعتماد على الصوت وحده، من دون العزف على الآلات الموسيقية، وإنما على إيقاع الصوت الجبلي بالصياح والصداح، أما الآن، فيغنى باستخدام الدف، حيث تتدفق الحناجر بتلك العيطات والمواويل العتيقة التي تعودت على تفجير المشاعر المكبوتة والأحلام المسحوقة واختزال إرث أصيل يتحدى السنين والتغيير .
”الصحـة يا الصحــة” نموذجـــا
تعددت المناسبات والمواضيع التي ارتبط فيها الغناء السراوي بهذه الأغراض، فالغناء السراوي – بحسب الناشط الثقافي جمال عريبي – لم يرتبط بموضوع واحد، وإنما ارتبطت كلماته بجوانب مختلفة من الحياة، فمنها ما تعلقت مضامين كلماته بالأفراح والأعراس، مثل أغنية “يدو في الحنة”، وأغنية “ديرولو الحنة”، ومنها الأغاني التي عالجت مواضيع ارتبطت بالشأن الاجتماعي لتعبر عن أحزان وخلجات تجول في النفس الباطنية من أحاسيس وآلام، في سرد مآسي السكان من صعوبة المعيشة، وآفات اجتماعية تحاول من خلالها الكلمات معالجة الظاهرة أو تنبيه وتوعية المستمع.
ومن بين الأغنيات التي ذاع صيتها عالميا، وأدّاها العديد من الفنانين مثل مختار مزهود والخير بكاكشي وسمير العلمي، وذهبت إلى العالمية خاصة بعد أن أداها الشاب مامي، أغنية “الصحة يالصحة”، وجاء في مطلع هذه القصيدة:
الصحة يا الصحة يا عدوة مولاها..
وإذا غابت الصحة وين رايح نلقاها
دخلت لفزيت وتلمو لحباب
وأنا لقريبة قعدت نشوف من الباب
يا السبيطار العالي بعلاواتو
كي كتبلي ربي تغطيت بدراواتو
أنت يا الفرملية عليلي الوسادة
لا جاتني الموت فكريني في الشهادة
أنت يا لميمة اديري في لعراس
وبنتك لعزيزة وجدولها لمقاص
وتروي القصة معاناة امرأة أصابها مرض عضال – حسب الروايات الشفوية – اسمها مليكة بوعويرة من مواليد عام 1957م، بمنطقة “ملوزة” ببلدية “ونوغة” دائرة حمام الضلعة، ولاية المسيلة، وتدور أحداث هذه القصيدة، في وصف تلك اللحظات العصيبة التي ألمت بها خلال رحلة العلاج، بين بيتها البعيد ومركز بيار وماري كوري بالمستشفى الجامعي مصطفى باشا بالعاصمة، قبل إجراء عمليتها الأولى، ليخبرها الأطباء بانها حامل بطفل، وفي غمرة هذه الأحزان والآلام، تضع مولودها الذي سمته جمال، وتروي هذا المشهد بكلمات حزينة يوافقها في القصيدة: “لا وحم ولا دلال، بل تحاليل وعلاج بالأشعة..”، ليجري الأطباء لجسمها النحيل أربع عمليات ولم يتعد سنها بعد العشرين عاما، وتنهي رحلة الشقاء والمعاناة بوفاتها في سنة 1975، حسب الروايات الشفوية، تاركة كلمات أدخلت من أدوها إلى عالم الشهرة، بسبب كلماتها وعباراتها التي تلامس واقعا مريرا من البؤس والشقاء، مرت به صاحبة الكلمات الأصلية “مليكة بوعويرة”.
التّأريــخ للمجتمـــع..
من جهته، اعتبر كاتب الكلمات والمهتم بالتراث المحلي علي سليماني، أن الغناء السراوي بشكل عام، كان لسان حال لوقائع وظروف اجتماعية وسياسية، مرت بها الأمة الجزائرية عبر سنوات مضت، يسرد من خلالها “القوالة” أو “القوال” كلمات عن خصوصية المجتمعات في البادية وفي الريف، بكلمات وعبارات تكون منتقاة ومحبوكة من مختلف اللهجات المحلية بشكل دقيق ومحكم، وفقا لخصوصية كل منطقة، ومنها الأغاني الثورية، مثل أغنية “جينا من عين مليلة.. سبع أيام على رجلينا” التي تحكي “وقائع ويوميات المجاهدين في ساحات الوغى في الجبال والشعاب، ومواجهة جبروت المستعمر الفرنسي، وأيضا أغنية الطيارة الصفراء الخالدة، لصاحبتها يامينة مكور، ابنة مدينة مجانة ببرج بوعريريج، التي تسرد فيها فضائع الطيارة الصفراء ومجازرها في حق الأطفال والمدنيين العزل في الأرياف الجزائرية إبان فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، التي لا يزال واقعها يطغى في نفوس أجدادنا وآبائنا إلى غاية اليوم، إذ اقترن ظهور هذه الطائرة ذات اللون الأصفر التابعة لسلاح الطيران الاستعماري، بمجازر يومية جراء حرقها لبيوت العزل في القرى والأرياف، حيث تختزل شاعرة الثورة يامينة مكور هذه المعاناة في أسلوب الترجي لهذه الطائرة، بأن لا تقتل أخاها الوحيد”، ويقول مطلعها:
الطيارة الصفرا احبسي ما تضربيش..
نسعى رأس خويا لميمة ما تضنيش..
نطلع للجبل نموت وما رنديش
الله الله ربي رحيم الشهداء..
تصنيـــف “الســراوي” ضمن التّـراث العالمي
أعلنت الجهات الوصية بوزارة الثقافة والفنون – في وقت سابق – عن إعداد ملف خاص بموسيقى “السراوي” إلى جانب 11 ملف آخر، لتصنيف بعض الألوان الموسيقية الجزائرية كتراث عالمي من طرف منظمة “اليونيسكو”، بعد تكليف لجان مختصة مكونة من باحثين للتدقيق في تاريخ هذه الألوان الموسيقية والإشراف على هذه الملفات، على أن يتم إيداعها بشكل تدريجي لدى “اليونيسكو”.
ولا شك أن السراوي يمثل الأنطولوجيا الصوتية للإنسان الجزائري في صراعه مع الجغرافيا وقسوة التاريخ، فمن تلك الصرخات الأولى التي أطلقتها النسوة في المرتفعات لتطويع “الصدى” وجعله رفيقاً في العزلة، إلى “العيطات” الحزينة التي أرّخت للألم الفردي كما في قصة مليكة بوعويرة، وصولاً إلى الأناشيد الثورية التي هزت أركان المستعمر؛ ظل السراوي الخيط الرابط بين وجدان الفرد وذاكرة الجماعة.
إن سعي وزارة الثقافة اليوم لتصنيف هذا الفن ضمن التراث العالمي هو اعتراف بأن هذه “الصرخة الجبلية” تمتلك من الخصوصية والصدق ما يجعلها لغة عالمية تتجاوز الحدود، فالسراوي كان – ولا يزال – السجل الشفهي الذي حفظ قيم المروءة والحرية، والمختبر الذي انصهرت فيه الهوية الجزائرية لتنتج ألواناً غنائية شكلت وجدان الجزائر قاطبة إنه – باختصار – وجدان الأرض الذي يأبى النسيان.







