الطّريق والمنجم والمنطقة الحرّة لرسم الخارطة الاقتصادية.. منظومة تندوف
الوالي مصطفى دحو: عالجنا كل العقبات الميدانية والمشروع سيسلّم في الموعد
مشروع طريق تندوف-الزويرات، يُعدُّ حلقة أخرى من سلسة المشاريع الكبرى التي لا تزال الدولة ماضية في إنجازها للنهوض بولاية تندوف، وجعلها مركزا تجاريا واقتصاديا بارزا في المنطقة، ففي سياق الديناميكية التي تشهدها الولاية منذ سنة 2019، تتّجه السلطات العليا في البلاد، هذه المرة، الى تجسيد مشروع استراتيجي آخر لا يقلُّ أهميةُ عن الخط المنجمي الغربي من حيث مردوديته الاقتصادية.
يكتسي هذا المشروع أهمية بالغة من المنظور الاقتصادي، التجاري، الاجتماعي والأمني، كونه يندرج ضمن رؤية شاملة لتعزيز الربط بين الجزائر وموريتانيا، وتعزيز أواصر التعاون الاقتصادي بين البلدين وتقوية الروابط الأخوية بين الشعبين، من خلال تسهيل حركة الأشخاص والبضائع في الاتجاهين.
كما يُنظر لهذا المشروع كشريان حيوي سيُساهم بشكل كبير في فك العزلة عن المناطق الحدودية، وإخراج التجمّعات السكنية المُتاخمة للطريق من مستنقع الفقر والتهميش، فضلا عن مساهمته في إعمار شمال ولاية تيرس زمور الموريتانية، في خطوة يراها كثيرون دافعا قويا لكبح جماح المهرّبين والجريمة المنظّمة، ليُضاف الى قائمة المشاريع المهيكلة الكبرى التي تعرفها المنطقة، على غرار المعبر الحدودي الشهيد مصطفى بن بولعيد والمنطقة الحرة للتبادل، ويعكس هذا التوجّه – حسب مراقبين – إرادة واضحة ونيّة صادقة لتحويل ولاية تندوف الى قطب اقتصادي واعد وبوابة حقيقية نحو غرب إفريقيا.
وفي هذا الاطار، أجرى والي تندوف، دحو مصطفى، زيارة ميدانية لمشروع الطريق الرابط بين تندوف والزويرات الموريتانية، قصد الوقوف على سير الأشغال بمختلف الورشات الممتدّة على طول الطريق الى غاية النقطة الكيلومترية 110 داخل الأراضي الموريتانية، أين تم الاطلاع على وتيرة الإنجاز ومدى تقدّم الأشغال بهذا المشروع الحيوي.
الخرجة الميدانية التي شهدت حضور نائب رئيس المجلس الشعبي لولاية تندوف، ممثل الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية وممثلي شركات الإنجاز، شهدت تقديم عرض مفصّل حول المشروع، إلى جانب الوقوف على الإجراءات التنظيمية المسهّلة لعمليتي دخول وخروج العمال، وكذا تنقّل الشاحنات والآليات والمركبات المسخّرة لإنجاز هذا المشروع الوطني الضخم.
وفي السياق ذاته، كشف رئيس مشروع طريق تندوف – الزويرات بالوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، إسماعيل شهيد، عن أهمية هذه الطريق في تنمية المنطقة ودورها الفاعل في إنعاش التبادلات التجارية بين الجزائر وموريتانيا.
وقال شهيد خلال عرضه للبطاقة التقنية للمشروع، أن هذا الأخير يكتسي أهمية بالغة، كونه يشّكل شريانا حقيقيا لربط الجزائر بغرب افريقيا وتعزيز حضور المنتجات والسلع الجزائرية في السوق الموريتانية والسنغالية.
أكـبر مشــروع استثمـــاري وطنـي خـارج الحــدود
وقال شهيد في معرض حديثه، أن المقطع الأول من المشروع الممتد على مسافة 320 كلم، ويربط تندوف بمنطقة عين بنتيلي الموريتانية، قد أوكلت مهمّة إنجازه لأربع مؤسسات وطنية جزائرية هي EPTP،COSIDER ،SNTP ،EVSM ، مع مكتب دراسات جزائري سيتكفّل بأشغال المتابعة والمراقبة التقنية للمشروع.
وأضاف المتحدّث قائلا إن المشروع مقسّم الى 04 حصص، الحصّة الأولى على مسافة 70 كلم، الحصة الثانية 81 كلم، الحصة الثالثة 86 كلم فيما تبلغ الحصة الرابعة مسافة 81 كلم، مشيرا الى أن نسبة تقدّم الأشغال في المشروع بالمقطع الأول الخاص بمسافة 320 كلم قد بلغت 45.91 بالمائة.
وعرّج رئيس المشروع للحديث عن أهداف طريق تندوف – الزويرات، موضحا أن هذه الطريق تحظى بمتابعة يومية من طرف سلطات ولاية تندوف، كونها ستساهم بشكل كبير في تقوية العلاقات بين الشعبين الشقيقين الجزائري والموريتاني باعتبارها شريانا حيويا ودائما يربط بين البلدين الجارين، فضلا عن أهميتها في المساهمة في تطوير اقتصاد البلدين وتقوية المعاملات الاقتصادية والتبادل التجاري، وخفض التكاليف والمدّة الزمنية لتنقّل البضائع، الى جانب تحسين الظروف المعيشية للمناطق المتاخمة للطريق الرابطة بين تندوف والزويرات بولاية تيرس زمور الموريتانية.
ويُصنّف مراقبون طريق تندوف-الزويرات التي يتم إنجازها داخل الأراضي الموريتانية بطول إجمالي يتجاوز 800 كلم، كأكبر مشروع استثماري وطني خارج الحدود، والتي تُشرف عليه شركات وطنية وكفاءات جزائرية بالتنسيق مع الحكومة الموريتانية التي منحت كل التسهيلات الإدارية والأمنية لإنجاز هذا المشروع. ورغم التحدّيات المرتبطة بنُدرة المياه وصعوبة التضاريس وهشاشة التربة في بعض المناطق، إلا أن المؤسسات الوطنية المشرفة على المشروع قد رفعت التحدّي على إتمامه، من خلال تسخير كافة الإمكانيات البشرية واللوجيستية اللازمة لإنجاز هذا المشروع الحيوي المهم.
يضم المشروع في شطره الرابط بين تندوف وعين بنتيلي 05 قواعد للحياة، إلى جانب 04 قواعد أخرى على مستوى المعبر الحدودي البري الشهيد مصطفى بن بولعيد، فضلا عن حفر عدة آبار واستحداث عدة محاجر على طول الطريق تم إنجازها بالتنسيق مع السلطات الموريتانية.
تبرز طريق تندوف – الزويرات كأحد أهم المشاريع التي تحظى باهتمام بالغ من طرف السلطات العليا بالبلاد، والتي أماطت اللثام عنها معلنة بذلك بدء مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي جنوب – جنوب، والتحوّل بالتجارة البينية الافريقية إلى مستوى متقدّم.
المشــروع.. أرضيـــة ممهّــدة
تسعى السلطات العليا، ومن ورائها سلطات ولاية تندوف، الى جعل هذا المشروع رافعة حقيقية للانتقال بالولاية الحدودية الى واحدة من أهم الأقطاب الصاعدة في الجنوب الغربي، مدفوعة في ذلك بالعديد من المشاريع الكبرى التي ساهمت في إعادة رسم دورها الاستراتيجي على الخريطة الاقتصادية الوطنية والاقليمية.
فمن منجم غارا جبيلات إلى مشروع الخط المنجمي الغربي، والمنطقة الحرة للتبادل، وصولا الى المعبر الحدودي البري الشهيد مصطفى بن بولعيد، بدأت ولاية تندوف في شق طريقها في مسار الانفتاح على العمق الإفريقي، حيث ستسمح هذه المشاريع في تكثيف المبادلات التجارية، وتنشيط حركة عبور السلع الجزائرية نحو دول غرب افريقيا، وهي الرؤية التي دعّمتها السلطات العليا ببُنية تحتية عزّزت من ربط الولاية بسلسلة الإنتاج الوطني، وربط الولاية بمحيطها الإقليمي بشكل أكثر فعالية.
من جهته، أوضح والي تندوف، دحو مصطفى، في تصريح خصّ به “الشعب”، أن طريق تندوف – الزويرات يعد من بين أهم المشاريع المهيكلة التي أقرّها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، مشيرا الى أن هذا المشروع الذي يحظى باهتمام بالغ من طرف السلطات العليا بالبلاد سيكون له دور كبير في تقوية العلاقات بين الجزائر وموريتانيا، فضلا عن دوره في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول غرب إفريقيا.
وقال والي تندوف خلال وقوفه على سيرورة الأشغال بالمشروع، أن الزيارات الميدانية التي تُجرى بين الحين والآخر للوقوف عن كثب على مدى تقدّم الأشغال، مكّنت من تذليل الكثير من العقبات والقضاء على بعض الصعوبات التي كانت تعترض المشروع، وأضاف “من خلال المعاينة لمسلك بطول 110 كلم داخل الأراضي الموريتانية، لاحظنا أن كل المشاكل التي كانت مطروحة في بداية المشروع تم القضاء عليها نهائيا، ولم نسجّل أي مشاكل أخرى في المشروع، خاصة ما تعلّق بالحصول على الحصى والأتربة والمياه والاتصال، وغيرها من الأمور التي كانت تعد في البداية من بين العقبات الكبرى”.
وأكّد المتحدّث – في ذات الإطار – على أن السلطات المحلية بالولاية تمكّنت من معالجة كل مشاكل المشروع خلال سنة 2025، مجدّدا التأكيد على أن مشروع طريق تندوف-الزويرات يسير حاليا بوتيرة جد عالية، وأن شركات الإنجاز مصرّة على تسليم المشروع في الآجال المحدّدة له والمقدّرة بـ 30 شهرا.
وتابع والي تندوف قائلا إن وتيرة الانجاز متسارعة جدا، حيث سجّل الشطر الخاص بشركة كوسيدار ما نسبته 52 % من الانجاز، مجدّدا التأكيد على وجود التزام قوي وحرص شديد من طرف شركات الإنجاز ومكاتب الدراسات وكل الفاعلين، على أن يتم هذا المشروع في آجاله المحدّدة وبالمقاييس التقنية المطلوبة، منوّها بالتسهيلات المقدّمة من طرف الأشقاء الموريتانيين، سواء فيما يخص الحصول على التراخيص أو المرافقة والمتابعة، نافيا وجود أي مشاكل ميدانية تعترض هذا المشروع الحيوي.
منشـآت طاقويـة لمرافقــة المشــروع
في معرض حديثه لـ “الشعب”، أعرب دحو عن سعادته بمستوى التنسيق التام مع الأشقاء الموريتانيين، مشيرا الى وجود قدر كبير ومستوى عالٍ من التفاهم التقني والإداري بين الجانبين الجزائري والموريتاني حول هذا المشروع المهم، الذي سينتقل بالعلاقات الأخوية بين البلدين الى مستوى آخر، والذي سيمكّن – أي المشروع – من بعث المنطقة الحرة التي تعرف هي الأخرى تقدّما كبيرا في الأشغال، مؤكّدا اقتراب موعد تسليمها خلال أشهر تمهيدا لاستغلالها وإدخالها حيّز الخدمة تزامنا مع إنجاز طريق تندوف – الزويرات التي ستبعث عملية التصدير والاستيراد من الجزائر الى موريتانيا، ومن موريتانيا الى الجزائر ومن الجزائر الى كل دول غرب إفريقيا.
وأضاف أنه “في إطار الاستغلال المستقبلي لهذه الطريق وبعث الحيوية والنشاط، وللقضاء على العزلة التي تعرفها الطريق الممتدّة على مسافة 840 كلم، أقرّ مجلس الوزراء إنجاز محطّات لتوزيع المواد الطاقوية على طول طريق تندوف – الزويرات، والتي ستنجز مستقبلا حصريا عن طريق نافطال”، مؤكّدا على أن المناقشات سارية بشكل طبيعي، وسيُنجز في آجاله التي حدّدتها السلطات العليا للبلاد.
تجدر الإشارة الى أن جملة المشاريع الكبرى التي أقرّتها السلطات العليا بولاية تندوف، من شأنها تحويل الولاية الى نقطة التقاء، ومحور عبور حيوي باتجاه غرب إفريقيا، بما يعزّز دورها كبوابة اقتصادية وتجارية بمنطقة الجنوب الغربي، ويمنحها بعدا استراتيجيا جديدا يتماشى مع التوجّه الوطني نحو تنويع الاقتصاد والانفتاح على الأسواق الإفريقية، كما يُرتقب أن تُسهم هذه الديناميكية في خلق فرص استثمارية واعدة، وتحقيق تنمية محلية مستدامة تعود بالنفع على سكان الولاية، وتعزّز اندماجها في المحيط الإقليمي.



