الإبداع التّفاعلي فرصة والحفاظ على الجوهر الرّمزي.. حتمية
التّوثيق الشّمولي.. دمج السّمعي-البصري لتخليد المعالم والمخطوطات
ترى الدكتورة سرور كعال أن عملية رقمنة التراث الجزائري تشكّل خطوة ضرورية في مواكبة العصر ومجاراة تحولاته، إلاّ أنها لا تكتمل إلا بإنشاء متاحف ومكتبات رقمية تجعل من رقمنة التراث فعلا ثقافيا متكاملا، يجمع بين الحفظ والإتاحة والترويج.
أكّدت المختصّة في الأدب الجزائري، الدكتورة سرور كعال، أن الرقمنة تبرز كخيار ضروري من شأنه إعادة إحياء التراث ونشره في الفضاء الرقمي، بأساليب تتماشى مع اهتمامات المستخدم الرقمي، هذا وتسهم الرقمنة في تعزيز الوعي بأهمية التراث من خلال إعادة قراءته وبثه في الحياة المعاصرة، ولا يتأتى هذا إلا بجعله متاحا وسهل الوصول، بعد أن كان محصورا في فضاءات محدودة.
وقالت المتحدثة لـ «الشعب» إن هذه النقطة لا تقتصر على الحفظ والأرشفة في الفضاء الرقمي فقط، فهي تتجاوز إلى إعادة إنتاجه في أشكال رقمية جديدة، تجعله أكثر قربا من المتلقي المعاصر، مضيفة أن الوسائط الرقمية تفتح آفاقا واسعة للإبداع في مجال التراث، خاصة التراث اللامادي، حيث يمكن توظيف الوسائط المتعددة كالصوت والصورة والحركة لإعادة تقديمه بطرق حديثة وتفاعلية، وهذا ما نلحظه في قصص ألف ليلة وكليلة ودمنة التي أعيد إنتاجها في شكل رسوم متحركة تعرض في منصة You Tube، وبعض القصص الشعبية الجزائرية التي تعرض على منصة (JOW+++) في صيغة مقاطع فيديو تجمع بين الرواية الشفوية باللهجة العامية وصورا تحمل رموز وملامح من تراث وهوية المجتمع الجزائري، وباقي أنواع التراث الذي تحول من مجرّد نصوص متداولة شفويا أو خطيا إلى مقاطع فيديو تنبض بالحياة وتعج بالحركة السمعية والبصرية، والتي تحول تفاصيل مجردة إلى علامات حسيّة تستقطب المتلقي عبر الشاشة الزرقاء ليتفاعل معها حسيا وفكريا.
بالمقابل، ترى كعال أن الانفتاح على الإبداع في التراث يستدعي قدرا من الحذر والحيطة أثناء إعادة إنتاجه في حلته الرقمية، إذ إن التراث ليس مادة جامدة يمكن إخضاعها للتجريب الحر أو التعبير الفردي المطلق، بل هو مخزون رمزي يحمل في طياته وجدان المجتمع وملامح هويته الثقافية. ومن ثم، فإن أي محاولة لتجديده أو تقديمه في أشكال رقمية حديثة، ينبغي أن يراعى فيها هذا البعد الجماعي والأيديولوجي، وألا تنزلق نحو تشويه ملامحه أو تفريغه من دلالاته الأصلية.
فالإبداع في هذا السياق لا يعني القطيعة مع الأصل، تقول المتحدثة «بل يقوم على إعادة تقديمه بوسائط معاصرة تقربه من المتلقي، دون أن تفقده روحه، وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن توظيف الوسائط الرقمية من صوت وصورة وحركة لإحياء التراث وجعله أكثر تفاعلا، دون المساس بأسسه التي تشكل ذاكرة المجتمع؟».
في سياق آخر، تطرّقت المتحدثة إلى أسالب وطرق في رأيها أنجع لتوثيق التراث رقميا، وهذا من خلال الجمع بين الوسائط السمعية والبصرية والكتابية، بما يسمح بحفظ أكثر شمولية لهذا التراث.
ولعل أبرز هذه الاستراتيجيات المعتمدة في رقمنة التراث التوثيق الدقيق، سواء عبر النقل الحرفي أو الحفاظ على شكله الأصلي بالتصوير الفوتوغرافي للآثار والمعالم التاريخية والقطع التراثية، والمسح الضوئي للمخطوطات التراثية والنصوص الخطية والوثائق القديمة، بما يضمن عدم فقدان ملامحه الأساسية، كما تتيح الرقمنة إمكانية إعادة إنتاج القصص الشعبية والتاريخية في شكل بودكاست أو تسجيلات صوتية، بما يعيد إحياء هذا التراث سمعيا ويقربه من المتلقي المعاصر، فتنويع أشكال التوثيق يكتسي أهمية كبيرة لا تقل عن أهمية الحفظ في حد ذاته، لأنه يضمن استمرارية التراث وانتقاله عبر وسائط متعددة تتلاءم مع تطور أنماط التلقي.
في سياق متصل، قالت كعال رغم ما تتيحه الرقمنة من إمكانيات كبيرة في الأرشفة، إلا أنها تبقى عرضة للتلف أو الضياع التقني، مما يستدعي اعتماد مقاربة مزدوجة تقوم على الحفظ الرقمي والبشري معا، من خلال ضمان وصوله إلى مختلف فئات المجتمع «لذلك ينبغي توفير هذا التراث في العالمين الافتراضي والواقعي، عبر المنصات والمكتبات الرقمية وفي الفضاءات الواقعية، حتى لا يبقى حكرا على فئة محدودة، ومن ثم، فإن اعتماد هذه المقاربات المتكاملة يعد خطوة أساسية نحو تحقيق استدامة حقيقية لمشاريع رقمنة التراث، تضمن استمراريته وبقاءه حيا وقابلا للتجدد عبر الأجيال».
وفي ختام حديثها، أكّدت سرور كعال أن رقمنة التراث الثقافي الجزائري ليست مجرد عملية تقنية لنقل الموروث من فضائه التقليدي إلى الفضاء الرقمي، بحكم أنها مشروع ثقافي متكامل يهدف إلى حفظ الذاكرة الجماعية وإعادة تقديمها بما ينسجم مع تحولات العصر. وبين ما تتيحه الرقمنة من فرص واسعة للحفظ والإبداع، وما تفرضه من تحديات تتعلق بالأصالة والاستمرارية، ليبقى الرهان الأساسي هو تحقيق توازن دقيق يضمن للتراث حضوره الفاعل في الحاضر واستمراريته في المستقبل.







