الصادرات خارج المحروقات تعكس تحولات هيكلية وتوجهات استراتيجية
الدبلوماسية الاقتصادية والتحول الرقمي.. هندسة جديدة لمنظومة التصدير
11 وجهة عالمية جديدة لتعزيز حضور العلامة «صنع في الجزائر»..
سجلت صادرات الجزائر خارج قطاع المحروقات نموا بنسبة 16 بالمائة خلال الثلاثي الأول من السنة الجارية مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، في مؤشر يعكس تحسن أداء المنتجات الوطنية وقدرتها المتزايدة على ولوج أسواق دولية جديدة.
ويرجع هذا التطور إلى الإستراتيجية التي انتهجها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون منذ توليه الحكم، وهي سياسة داعمة للتصدير، خاصة تلك المتعلقة بمرافقة المتعاملين الاقتصاديين والتكفل بانشغالاتهم، ما ساهم في تعزيز الثقة وتحسين مناخ الأعمال المرتبط بالتجارة الخارجية.
وتدخل هذه الإستراتيجية ضمن الإصلاحات التي تهدف إلى عصرنة منظومة التصدير، من خلال التحضير لإطلاق شباك وحيد رقمي موجه للمصدرين، ينتظر أن يسهم في تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتسريع معالجة الملفات والحصول على الوثائق في آجال أقصر، إضافة إلى ذلك، يرتقب تفعيل الهيئة الجزائرية للصادرات التي ستعمل على دعم المؤسسات الوطنية عبر إعداد دراسات سوقية وتقديم توجيهات إستراتيجية، بما يعزز تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية ويدعم تنويع الاقتصاد الوطني.
استراتيجيــــات متعــــددة
في هذا الإطار، أكد الخبير الاقتصادي عبد الصمد سعودي، في تصريح لـ»الشعب»، أن الجزائر تتجه اليوم بشكل واضح نحو تعزيز صادراتها في مختلف القطاعات، لاسيما خارج المحروقات، من خلال اعتماد استراتيجيات متعددة تقوم على التنسيق بين عدة قطاعات حكومية، من بينها وزارة التجارة الخارجية، ووزارة التجارة، ووزارة الشؤون الخارجية، في إطار تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية والترويج للمنتجات الوطنية عبر المعارض الدولية.
وفي السياق ذاته، أكد سعودي أن تسجيل نمو بنسبة 16 بالمائة في الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 يمثل مؤشرا واضحا على دخول الاقتصاد الوطني مرحلة جديدة قائمة على التنويع والانفتاح على الأسواق الدولية، وأضاف أن هذا التوجه «يعكس تحولات عميقة في بنية الاقتصاد الوطني، بدعم سياسي قوي من السلطات العليا للبلاد لتنويع مصادر الدخل وفتح أسواق جديدة».
عوامـــل عـــززت الصـــــادرات..
في السياق ذاته، أفاد محدثنا أن الزيادة المسجلة في الصادرات خارج المحروقات، تعود إلى جملة من العوامل، في مقدمتها التحولات الجيوسياسية العالمية، حيث تعرف بعض مناطق التصدير التقليدية، حالة من عدم الاستقرار، ما أدى إلى توجه الأسواق نحو بلدان أكثر استقرارا، من بينها الجزائر، وأشار إلى أن التقلبات الدولية، أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، وهو ما رفع – بدوره – أسعار العديد من السلع في الأسواق الدولية.. في المقابل، تستفيد الجزائر من استقرار نسبي في تكاليف الإنتاج بفضل دعم أسعار الطاقة، ما يمنح منتجاتها ميزة تنافسية إضافية.
وأبرز محدثنا أن قطاع الطاقة بدوره يشهد ديناميكية ملحوظة، حيث ارتفعت صادرات الغاز الطبيعي المسال بحوالي 74 بالمائة، في ظل ارتفاع الطلب العالمي، وهو ما انعكس بشكل غير مباشر على تنافسية المنتجات الجزائرية، خاصة تلك المرتبطة بالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، كما لفت إلى أن المعارض الاقتصادية التي نظمت مؤخرا لعبت دورا مهما في التعريف بالمنتجات الجزائرية، سواء من حيث الجودة أو الأسعار التنافسية، ما ساهم في فتح أسواق جديدة أمام المصدرين.
ثمـــــرة حركيـــة مكثفـــــة
وفي السياق، أوضح سعودي أن هذه النتائج لم تأت بمحض الصدفة، فهي ثمرة حركية ميدانية مكثفة، حيث تم خلال شهر أفريل الجاري إطلاق عمليات تصدير واسعة لمنتجات صناعية وفلاحية انطلاقا من 13 ولاية نحو 19 دولة عبر أوروبا والعالم العربي وإفريقيا والأمريكيتين، ما يعكس توسعا حقيقيا في خارطة الصادرات الجزائرية، وأشار إلى أن الانفتاح على الأسواق الإفريقية والدولية، يعزز مكانة الجزائر كمحور تجاري إقليمي قادر على المنافسة ومواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.
ولفت سعودي إلى تطور أرقام عدة قطاعات، حيث بلغت صادرات الأسمدة والكيماويات نحو 1.5 مليار دولار خلال 2025، فيما تجاوزت صادرات مواد البناء والسيراميك والزجاج 560 مليون دولار، ما يؤكد تنوع القاعدة التصديرية.
وعلى الصعيد الداخلي، شدد الخبير على أهمية التوجه نحو إعادة بعث القطاع الصناعي، مذكرا بأن مساهمته في الناتج الداخلي الخام تراجعت من نحو 18 بالمائة في سبعينيات القرن الماضي إلى حوالي 3 بالمائة في 2019، قبل أن ترتفع مؤخرا إلى حدود 7 بالمائة، مع استهداف بلوغ 11 إلى 12 بالمائة في المدى المتوسط.
وأشار الخبير إلى أن هذا التوجه يتجسد ميدانيا من خلال برنامج مكثف للمعارض الدولية، خلال عام 2026، حيث يشمل تنظيم أو المشاركة في 11 معرضا عبر عدة دول من بينها السعودية، الكويت، نيجيريا، كينيا، موريتانيا، روسيا، إندونيسيا، إثيوبيا، قطر، جنوب إفريقيا والسنغال، إلى جانب المشاركة في تظاهرات اقتصادية كبرى في تونس، تنزانيا، سوريا، أوغندا والسنغال.
وتفضي هذه الديناميكية، – يقول محدثنا – إلى نتائج ملموسة، أبرزها إبرام عقود تصدير واتفاقيات تعاون، خاصة في قطاع الصناعات الغذائية خلال صالونات دولية.
وعلى صعيد البنية الإنتاجية، شدد سعودي على أن جوهر هذا التحول يكمن في إعادة هيكلة القطاع الصناعي، مع استهداف رفع مساهمته في الناتج الداخلي الخام إلى حدود 13 بالمائة في آفاق 2027، مقارنة بنحو 6 إلى 7 بالمائة حاليا.
في هذا الإطار، لفت سعودي إلى أهمية الشراكات الدولية، خاصة مع متعاملين من إيطاليا وقطر، في دعم الصناعات الغذائية ورفع قدراتها التصديرية، إلى جانب تطوير الصناعات الميكانيكية اعتمادا على توفر المواد الأولية والطاقة.
وضمن هذه الإستراتيجيةـ يؤكد سعودي أن دور المشاريع الصناعية الكبرى، على غرار تطوير منجم غارا جبيلات الذي يرتقب أن يشكل قاعدة لصناعة الحديد والصلب، إلى جانب مشاريع استغلال الفوسفات في تبسة، والتي لا تقتصر على التصدير الخام، بل تشمل تحويله إلى أسمدة لدعم القطاع الفلاحي وتعزيز القيمة المضافة. كما أشار إلى تنامي الاستثمارات في الصناعات الغذائية، بالشراكة مع متعاملين أجانب، إضافة إلى آفاق تطوير الصناعات الميكانيكية.
وشدد محدثنا على أن هذا التوجه الشامل نحو تطوير الصناعات التحويلية والغذائية والميكانيكية والصيدلانية، إلى جانب إعادة بعث المناطق الصناعية، من شأنه أن يعزز مكانة الجزائر كاقتصاد صناعي متنوع، ويقلل من التبعية لقطاع المحروقات على المدى الطويل.
بعــــث الأقطـــاب الصناعيـــــة
وأكد سعودي أن المرحلة الحالية تشهد التركيز على إعادة بعث القطاع الصناعي في الجزائر، بالنظر إلى دوره المحوري في خلق القيمة المضافة، وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات.
وأوضح أن هذا التوجه يتجسد ميدانيا من خلال إنشاء مناطق صناعية جديدة، في مقدمتها القطب الصناعي المرتقب بمنطقة غارا جبيلات ببشار، والذي سيخصص للصناعات الحديدية، بهدف استغلال وتحويل الموارد المنجمية محليا بدل تصديرها في شكلها الخام، وأضاف أن هذا التوجه يشمل أيضا مشاريع إستراتيجية أخرى، على غرار استغلال الفوسفات في تبسة، حيث يتم العمل على توجيه هذا المورد نحو التحويل الصناعي، خاصة في إنتاج الأسمدة الموجهة لدعم القطاع الفلاحي، بدل الاقتصار على تصديره كمادة أولية عبر موانئ التصدير، لاسيما عنابة.
وأشار سعودي إلى أن الرهان الحقيقي يكمن في الانتقال من اقتصاد قائم على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد صناعي منتج يعتمد على التحويل والتصنيع، ما يسمح برفع القيمة المضافة وتعزيز تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية.
وأبرز الخبير توجه الدولة نحو دعم الصناعات الغذائية، من خلال استقطاب استثمارات وشراكات مع متعاملين أجانب، لاسيما من إيطاليا وقطر، بهدف تطوير هذا الفرع الحيوي ورفع قدراته التصديرية.
وفي السياق ذاته، شدد على أهمية تطوير الصناعات الميكانيكية التي تمتلك الجزائر فيها مؤهلات كبيرة، بفضل توفر المواد الأولية مثل الحديد، والألمنيوم، والنحاس، إلى جانب ميزة تنافسية تتمثل في توفر الطاقة بأسعار مدعمة، ما يسمح بتقليص تكاليف الإنتاج.
وشدد سعودي على أن إعادة تأهيل المناطق الصناعية القديمة، إلى جانب إنشاء أقطاب جديدة، سيسهم في تنشيط مختلف فروع الصناعة، من صناعات غذائية وتحويلية وصيدلانية، إلى صناعات دقيقة وميكانيكية، مرورا بالصناعات الخفيفة والثقيلة، وهو ما من شأنه أن يعزز التحول التدريجي نحو اقتصاد صناعي متنوع ويكرس مكانة الجزائر كقوة إنتاجية صاعدة في المنطقة.
وخلص محدثنا إلى التأكيد على أن التحولات الجيوسياسية العالمية، وما أفرزته من إعادة تشكيل لخرائط التجارة، منحت الجزائر فرصة لتعزيز موقعها، خاصة في السوق الإفريقية التي تمثل عمقا استراتيجيا، في ظل توجه البلاد لتطوير قدراتها اللوجستية لتكون جسرا يربط بين إفريقيا وأوروبا، ضمن رؤية شاملة لبناء اقتصاد متنوع وأكثر صمودا.





