السّيـادة الاقتصاديــة والأمـن الغذائـي.. تعــاون استراتيجـي
توطــــين الصّناعــــــة ونقــــــــل المعرفــــــة .. ركيزتــــا النّجــــــاح
توّجت الزيارة التي قادت رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى تركيا، بتوقيع عدة اتفاقيات مهمة على المستوى الاقتصادي بالخصوص، عكست توجّها براغماتيا لتعميق التعاون الثنائي وتأسيس قاعدة متينة للعمل المشترك القائم على الاستثمار المنتج ونقل التكنولوجيا، وتأتي هذه المخرجات في مرحلة دقيقة ومفصلية يسعى فيها الاقتصاد الوطني إلى التخلص التدريجي من التبعية لقطاع المحروقات، وبناء نموذج اقتصادي يعتمد على خلق القيمة المضافة، توطين الصناعات وتأهيل الموارد البشرية لتسيير قطاعات استراتيجية حديثة.
وتشير توقّعات المؤسّسات المالية الدولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للجزائر سيصل في نهاية عام 2026 إلى عتبة 317 مليار دولار، وهو رقم يعادل حجم الاقتصاديات المغاربية مجتمعة.
هذا الحجم الاقتصادي المتنامي يفرض متطلّبات جديدة وصارمة على مستوى إدارة الشراكات الدولية، حيث لم يعد مقبولا الاكتفاء بالتبادل التجاري الكلاسيكي القائم على استيراد السلع الجاهزة، فقد بات من الضّروري التوجه نحو شركاء يمتلكون الاستعداد الفعلي لنقل المعرفة التقنية، والمساهمة في تطوير الكفاءات المحلية، وهو ما توفّره الشّراكة الجزائرية -التركية التي حقّقت قفزات نوعية في مجالات التصنيع والخدمات.
وبالإضافة إلى ما تحمله هذه المؤشّرات من دلالات واضحة على متانة الاقتصاد الجزائري، فإنّ تجسيدها الميداني يتطلب بيئة استثمارية جاذبة ومؤطّرة باتفاقيات مؤسّساتية دقيقة، وهنا تبرز أهمية مذكرة التفاهم الموقّعة بين الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار ومكتب الاستثمار والتمويل التركي، والتي تصب مباشرة في مسعى استقطاب الرساميل التركية المتخصصة في الصناعات التحويلية، التكنولوجيا، والخدمات اللوجستية.
ويستهدف هذا التعاون إدماج التكنولوجيا التركية في النسيج الصناعي الجزائري، بما يتوافق مع روح قانون الاستثمار الجديد الذي يمنح امتيازات واسعة للمشاريع التي تساهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتوليد مناصب شغل دائمة.
ويشكّل التركيز على تطوير المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة، من خلال مذكرة التفاهم المبرمة بين وزارتي الصناعة في البلدين، نقطة ارتكاز أساسية في هذا المسار التنموي، فقد أثبتت التجارب الاقتصادية الناجحة، ومنها التجربة التركية، أنّ هذه المؤسسات تمثل المحرك الفعلي للنمو والابتكار، ونقل هذه المقاربة إلى الجزائر سيسمح بخلق نسيج صناعي متكامل يغذي المشاريع الوطنية الكبرى، ويوفر السّلع الوسيطة محليا.
ويرافق هذا التوجه اهتمام بالغ بمجال التقييس وتقييم المطابقة والتدريب، وهو شرط جوهري لضمان جودة المنتجات «المصنعة في الجزائر»، وجعلها قادرة على المنافسة في الأسواق الإفريقية والأوروبية، كما أنّ قطاع الفلاحة نال نصيبه من هذه الحركية الدبلوماسية والاقتصادية، عبر الاتفاق المبرم في مجال حماية النباتات والحجر الزراعي، والذي يعكس توجّها جادّا نحو الفلاحة العصرية والمستدامة، لاسيما وأن تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على استيراد المواد الأساسية يتطلّب تحديثا مستمرا للأساليب الزراعية، وحماية دقيقة للثروة النباتية الوطنية، وهي مجالات تمتلك فيها تركيا تقنيات متطوّرة يمكن الاستفادة منها لتوسيع قاعدة الصناعات الغذائية التحويلية، التي تعوّل عليها الجزائر كأحد أهم روافد الصّادرات المستدامة.
اتّفــــــاق تجـــــاري تفاضلـــــــي
بالنسبة لقطاع التجارة، يمثّل الإعلان المشترك للشروع في مفاوضات لإبرام اتفاق تجاري تفاضلي خطوة استراتيجية متقدمة لحماية المصالح الاقتصادية للجزائر، خاصة وأنّ هذا النوع من الاتفاقيات يختلف جذريا عن اتفاقيات التبادل الحر المطلقة، إذ يهدف إلى تسهيل وصول المنتجات الجزائرية إلى السوق التركية بامتيازات مدروسة، مع ضمان تدفق المدخلات الصناعية التركية التي تحتاجها المصانع الجزائرية بتكاليف تنافسية، مما يخفض من تكلفة الإنتاج المحلي ويرفع من تنافسيته.
ويتدعّم هذا المسار التجاري باتفاقيات تخص النقل الدولي للمسافرين والبضائع عبر الطرقات، والاعتراف المتبادل برخص السياقة، ما يسهل حركة الفاعلين الاقتصاديين ويخفّف من الأعباء والتعقيدات اللوجستية.
ولم تغفل هذه الاتفاقيات الجوانب الخدماتية والمؤسساتية الداعمة لبيئة الأعمال، حيث تمّ إدراج قطاعات البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية ضمن أجندة التعاون الثنائي لتحديث البنية التحتية الرقمية، التي تعتبر اليوم العصب الرئيسي لإدارة أي اقتصاد حديث يعتمد على السرعة والشفافية.
وفي سياق متصل، يأتي التعاون في مجال تسيير الكوارث وحالات الطوارئ كخطوة استباقية وضرورية لحماية المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية الكبرى من المخاطر الطبيعية أو الطارئة، بالاعتماد على الأنظمة التكنولوجية المتقدمة في الرصد، التدخل، وإدارة الأزمات التي طوّرتها تركيا خلال السنوات الماضية.
وتوازيا مع هذه الحركية، تبرز أهمية تأمين الفضاء المعلوماتي من خلال الاتفاقيات المبرمة في مجال الإعلام ومكافحة التضليل، لتأسيس بيئة اتصال قادرة على مرافقة التحولات الاقتصادية، حماية مناخ الاستثمار من الإشاعات، وتوفير المعلومة الدقيقة للمتعاملين الاقتصاديين، ناهيك عن البعد الإنساني والتاريخي الذي تجسّد في مذكرة التفاهم الخاصة برعاية المجاهدين وذوي حقوق الشهداء.
ويرى متابعون أنّ حجم وطبيعة هذه الاتفاقيات الموقّعة بين الجانبين الجزائري والتركي، وبحضور أعلى السلطات في البلدين، تظهر أنّها صمّمت لتكون أدوات تنفيذية لنموذج اقتصادي طموح ومستدام.



