علاقتنا تقوم على مبادئ الوفاء والذاكرة المشتركة..والبلدان نموذج حي بإفريقيا
التجربة الجزائرية مرجعية في مكافحة الإرهاب وازنت بين الحزم والتنميـــة
لا أمن بدون تنمية.. ولا استقرار بدون معالجة جذور الفقر والبطالــــــة
مستقبل إفريقيا مرتبط بتحويلها إلى سوق موحدة تنتــــــج الثروة
بناء قاعدة صناعية قارية تحول الموارد الإفريقية لتقليل التبعية للخارج
منطقة التجارة الحرة.. إرادة سياسية تتجاوز الإعلانات إلى التنفيذ الفعلــــي
دعا رئيس أنغولا، السيد جواو مانويل غونسالفيس لورينسو، إلى إطلاق مرحلة إفريقية جديدة تقوم على التكامل الحقيقي بين دول القارة، معتبرا أن التحولات الدولية الراهنة لم تعد تسمح لإفريقيا بالبقاء في موقع المتفرج أو الطرف المتلقي للقرارات الدولية، وعليها أن تفرض التحول إلى فاعل أساسي في صياغة النظام العالمي الجديد، عبر بناء مشروع قاري متكامل يقوم على السيادة الاقتصادية والتكامل الأمني والتضامن السياسي.
أكد الرئيس الأنغولي في خطاب ألقاه خلال الدورة غير العادية للبرلمان المجتمع بغرفتيه بقصر الأمم بنادي الصنوبر، بحضور رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، وأعضاء من الحكومة، أن هذه المناسبة تحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي وتعكس رؤية إفريقية شاملة حول مستقبل القارة، في ظل تحديات متزايدة تتعلق بالأمن والتنمية وإعادة التموضع داخل الاقتصاد العالمي.
وأوضح الرئيس الأنغولي أن هذا الحضور يعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، ويجسد مستوى متقدما من التشاور السياسي والتقارب في الرؤى حول القضايا الإفريقية والدولية، وأضاف أن ما يجمع الجزائر وأنغولا لا يقتصر على العلاقات الدبلوماسية، إنما يمتد إلى ذاكرة نضالية مشتركة ضد الاستعمار، وإلى دعم متبادل في مراحل التحرر الوطني، وهو ما منح هذه العلاقة طابعا استراتيجيا راسخا داخل الفضاء الإفريقي.
وقال الرئيس الأنغولي إن الشراكة بين الجزائر وأنغولا تمثل نموذجا متقدما في القارة الإفريقية؛ لأنها تستند إلى تاريخ طويل من التضامن والدعم المتبادل في مواجهة الاستعمار، ما جعل العلاقة بين البلدين تتجاوز الإطار التقليدي للدبلوماسية نحو شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، وأشار إلى أن الجزائر كانت من أبرز الداعمين لحركات التحرر في إفريقيا، ومن بينها كفاح الشعب الأنغولي، وهو ما رسّخ علاقة ثقة سياسية عميقة بين البلدين، قائمة على المبادئ وليس فقط المصالح.
وأضاف الرئيس : «الجزائر بلد شقيق وحليف مؤكد وثابت وبفضل دعمها ومساندتها، أصبحت أنغولا بلدا مستقلا ذا سيادة، وهي واعية بحجم التحديات التي تواجهها»، مؤكدا أن الشراكة الجزائرية الأنغولية تطورت اليوم لتشمل التعاون السياسي والاقتصادي والعلمي والتقني، بما يعكس رؤية مشتركة لبناء إفريقيا قوية وموحدة، قادرة على الدفاع عن مصالحها في النظام الدولي، كما نوه بالدور الذي تلعبه الجزائر في الدفاع عن القضايا الإفريقية داخل المنظمات الدولية، معتبرا أنها تمثل صوتا ثابتا في دعم السيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية في شؤون الدول الإفريقية.
وفي السياق، أشاد الرئيس الأنغولي ببرامج التكوين والتعاون التقني التي تقدمها الجزائر لعدد من الدول الإفريقية، حيث استفادت أنغولا وحدها من حوالي 8000 منحة تكوين في مجالات متعددة، معتبرا أن هذا الرقم يعكس سياسة استراتيجية تقوم على الاستثمار في الإنسان الإفريقي، وأوضح أن هذا النوع من التعاون يمثل ركيزة لبناء رأس مال بشري إفريقي قادر على قيادة التنمية في القارة، داعيا إلى توسيع التعاون ليشمل التعليم العالي، البحث العلمي، الطاقة، التكنولوجيا، والنقل.
تعزيز التنسيق بين دول القارة
في خطابه، أبرز الرئيس الأنغولي أن طبيعة التحديات التي تواجهها القارة الإفريقية اليوم تفرض على دولها تعزيز التنسيق والعمل المشترك، والانتقال من منطق المبادرات الفردية إلى بناء مقاربات جماعية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتزايدة، خاصة في ظل التحولات الدولية المتسارعة التي جعلت من قضايا الأمن والتنمية والاستقرار ملفات مترابطة وعابرة للحدود، واعتبر أن مستقبل إفريقيا يرتبط – بشكل مباشر – بقدرتها على تحقيق التكامل الاقتصادي الحقيقي بين دولها، وتحويل القارة إلى سوق موحدة قادرة على إنتاج الثروة بدل الاكتفاء باستهلاكها، وأضاف أن إفريقيا تمتلك كل عناصر القوة الاقتصادية: موارد طبيعية هائلة، ثروات معدنية وطاقوية وزراعية ضخمة، ورأسمال بشري شاب يمثل أكبر نسبة من سكان العالم، لكنها رغم ذلك ما تزال تعاني من تشتت اقتصادي وضعف في الاندماج بين أسواقها الوطنية، ليشير إلى أن هذا الوضع يجعل القارة غير قادرة على تحويل إمكاناتها إلى قوة اقتصادية حقيقية، بسبب غياب سلاسل إنتاج قارية، وضعف الربط بين الاقتصادات الإفريقية، واستمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام دون تحويلها محليا.
وفي هذا السياق، أبرز الرئيس الأنغولي أهمية مشروع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية باعتباره خطوة استراتيجية نحو بناء اقتصاد إفريقي موحد، لكنه شدد على أن نجاحه يتطلب إرادة سياسية قوية، وإصلاحات هيكلية عميقة، تتجاوز الإعلانات إلى التنفيذ الفعلي، كما دعا إلى إزالة الحواجز الجمركية والإدارية، وتسهيل حركة السلع والخدمات، وتوحيد المعايير الاقتصادية بين الدول الإفريقية، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية العابرة للحدود من طرق وموانئ وسكك حديدية، باعتبارها شرطا أساسيا لتحقيق الاندماج الاقتصادي.
وفي مستوى أعمق، أكد الرئيس الأنغولي على ضرورة بناء قاعدة صناعية إفريقية قادرة على تحويل الموارد داخل القارة، بما يسمح بخلق قيمة مضافة، وتقليل التبعية للأسواق الخارجية، وتعزيز السيادة الاقتصادية الإفريقية.
تجربة رائدة في مكافحة الإرهاب
على صعيد آخر، أشاد الرئيس الأنغولي، بالدور الذي يلعبه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، في مكافحة الإرهاب على مستوى الاتحاد الإفريقي، واصفا إياه بـ»بطل الاتحاد الإفريقي في مكافحة الإرهاب»، نظرا لجهوده في تعزيز التنسيق الإفريقي وتطوير آليات جماعية لمواجهة التطرف والإرهاب، ونوه بالتجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب، وقال إنها «مرجعية» على المستوى الإفريقي، ونجحت في تحقيق التوازن بين الحزم الأمني والسياسات الاجتماعية والتنموية، وهو ما سمح باستعادة الاستقرار بشكل دائم.
وأوضح الرئيس الأنغولي أن مواجهة التحديات المرتبطة بالأمن تتطلب رؤية شاملة تربط بين الأمن والتنمية، وتعالج الأسباب العميقة مثل الفقر، البطالة، التهميش وضعف التنمية المحلية، وأضاف أن بناء منظومة أمن إفريقية مشتركة يستدعي تعزيز التعاون الاستخباراتي، وتبادل المعلومات، وتنسيق السياسات الأمنية، إلى جانب معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي التطرف.
وفي هذا الإطار الشامل الذي يربط الأمن بالتنمية والاستقرار، أشار الرئيس الأنغولي إلى أن إفريقيا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تموضعها في النظام الدولي، من خلال بناء وحدة اقتصادية وسياسية متماسكة، وتفعيل التكامل بين دولها، بما يسمح لها بالتحول إلى قوة فاعلة ومؤثرة عالميا، وأكد أن القارة الإفريقية تمتلك كل المقومات التي تؤهلها للتحول إلى قوة صاعدة، غير أنها تحتاج إلى إرادة سياسية موحدة ورؤية استراتيجية طويلة المدى.




