الطاقة..المناجم والفلاحة.. لتعميق التعاون الجزائـــري الأنغـــــولي
رؤية موحّدة لتحويل الثروات الباطنية إلى نهضـة صناعيــــة شاملـــــة
تأتي زيارة رئيس جمهورية أنغولا إلى الجزائر، في سياق توجّه واضح لدى البلدين نحو إعطاء العلاقات الثنائية بعدا اقتصاديا أوسع، لا يكتفي بالتنسيق السياسي أو الحضور الدبلوماسي، بل يبحث عن صيغ عملية للتعاون في قطاعات التجارة، النقل، التكوين، الطاقة، الفلاحة، التعليم العالي والبحث العلمي، وهي مجالات تفرض نفسها اليوم على بلدين يملكان وزنا اقتصاديا وموارد معتبرة داخل القارة الإفريقية.
لقد منح خطاب الرئيس الأنغولي أمام نواب البرلمان بغرفتيه، بعدا إضافيا لهذه الزيارة، حين ربط بوضوح بين الماضي التحرّري والمستقبل الاقتصادي للعلاقات الثنائية، مؤكّدا أنّ أنغولا لا تنظر إلى الجزائر كشريك ظرفي، بل كبلد شقيق وحليف ثابت، ساهم في دعم كفاحها من أجل الاستقلال، ورافقها لاحقا في بناء بعض مؤسّساتها الوطنية.. ولم يكن استحضار الدعم الجزائري لأنغولا مجرّد رجوع إلى الذاكرة، بل كان توظيفا سياسيا هادئا للذاكرة المشتركة من أجل تأسيس مرحلة جديدة من التعاون، يكون فيها الإرث المشترك قاعدة عملية تتجاوز الرصيد الرّمزي.
بالنسبة للجزائر، تندرج هذه الزيارة ضمن مسار دبلوماسي واقتصادي نشط عرفته البلاد خلال الفترة الأخيرة، حيث تسعى الجزائر بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى تحويل الاستقرار المالي والاقتصادي والقدرات الإنتاجية المتنامية إلى شبكة شراكات أوسع، سواء مع دول إفريقية أو مع شركاء أوروبيين وأمريكيين، ولا يتعلق الأمر بمجرّد تنويع للعلاقات الخارجية، بقدر ما يرتبط بالسعي نحو بناء حضور اقتصادي جزائري أكثر انتظاما واستدامة في الأسواق الإفريقية، خاصة في ظل توجّه رسمي نحو تقليص الاعتماد على تصدير المواد الخام، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني خارج قطاع المحروقات.
وفي هذا الإطار، تُعتبر أنغولا شريكا مهما بالنظر إلى موقعها في جنوب القارة، وحجم مواردها الطبيعية، وتجربتها الاقتصادية القائمة أساسا على قطاع النفط، مع رغبة متزايدة في مراجعة هذا النموذج، فأنغولا التي تملك مساحة واسعة وثروات طاقوية ومعدنية وفلاحية معتبرة، تواجه بدورها تحدي الخروج التدريجي من الارتهان لعائدات المحروقات، وهي معادلة تعرفها الجزائر جيدا، لكنها بدأت في السنوات الأخيرة تطرحها بمنطق أكثر عملية عبر الاستثمار في المناجم، الطاقات المتجدّدة، الصناعات التحويلية، الفلاحة، والصناعات الصيدلانية والغذائية.
من هنا، تبدو أهمية هذه الزيارة في كونها تفتح نقاشا بين بلدين إفريقيين لا ينطلقان من فراغ، بل من تشابه في طبيعة التحديات الاقتصادية، فالجزائر وأنغولا تمتلكان موارد طبيعية معتبرة، لكنهما تدركان في الوقت نفسه أنّ الموارد وحدها لا تصنع اقتصادا قويا ما لم تتحوّل إلى صناعة، تشغيل، نقل للتكنولوجيا، وتبادل تجاري منتظم.
إنّ ضعف المبادلات البينية داخل إفريقيا يبقى أحد أكبر العوائق أمام الاندماج الاقتصادي القاري، وهو ما يجعل أي تقارب بين اقتصادين بحجم الجزائر وأنغولا خطوة قابلة للبناء عليها، إذا خرجت من مستوى الاتفاقيات العامة إلى مشاريع واضحة ومحدّدة، ويبرز قطاع الطاقة كأحد الملفات التي تمنح العلاقة بين البلدين بعدا خاصا، فالبلدان يظلان من الفاعلين النفطيين في إفريقيا، ويشتركان في الحاجة إلى حماية مداخيلهما الطاقوية من تقلّبات الأسواق العالمية، مع البحث عن استعمال أفضل لهذه المداخيل في تمويل التحول الاقتصادي.
في سياق متّصل، يمكن للتجربة الجزائرية في الغاز، الصناعات الطاقوية، ومشاريع الطاقات البديلة أن تشكّل أرضية لتبادل الخبرات، خاصة أنّ أنغولا تبحث عن توسيع قاعدتها الاقتصادية خارج قطاع المحروقات، وتطوير قطاعات قادرة على خلق مناصب شغل وتقليص الضغط على الميزانية العامة.
ويطرح قطاع المناجم نفسه كأحد مجالات التعاون الواعدة، فالجزائر باشرت خلال السنوات الأخيرة مشاريع كبرى لاستغلال الثروات المنجمية، بينما تملك أنغولا إمكانات معتبرة في هذا المجال، والرهان هنا لا ينبغي أن يظل محصورا في استخراج المواد الأولية، بل في بناء شراكات تسمح بإضافة قيمة داخل القارة، من خلال التحويل، التكوين، والخدمات المرافقة للصناعة المنجمية، وهذا التوجّه ينسجم مع حاجة الدول الإفريقية إلى تجاوز دور المموّل للمواد الخام فقط، والانتقال إلى موقع المنتج والمصنّع والمصدّر للسلع ذات القيمة الأعلى.
وتمثل الفلاحة نقطة تقاطع مهمة بين البلدين، بالنظر إلى المساحات المتاحة والحاجة المشتركة إلى تعزيز الأمن الغذائي، فالجزائر قطعت خطوات مهمة في توسيع الإنتاج الفلاحي، خاصة في ولايات الجنوب والهضاب، بينما تحتاج أنغولا إلى تحديث جزء من منظومتها الزراعية ورفع مردوديتها.
من هذا المنطلق، يمكن للتعاون أن يشمل تبادل الخبرات في الرّي، المكننة، البذور، الصناعات الغذائية، والتكوين الفلاحي، بما يسمح بتقليص فاتورة الاستيراد ورفع القدرة على تلبية الطلب الداخلي.
ولقد أظهر خطاب الرئيس الأنغولي تقاربا واضحا في الرؤية حول مستقبل إفريقيا الاقتصادي، حين شدّد على ضرورة أن تعتمد القارة على مواردها الأولية وثرواتها الباطنية من أجل تحقيق التصنيع والتنمية والتقدّم، وأن تكون هذه الموارد في خدمة شعوب إفريقيا أولا. وهذه الفكرة تلتقي مع التوجه الجزائري الداعي إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي، وعدم إبقاء الدول الإفريقية في موقع المصدّر للمواد الخام فقط، بل الدفع نحو تحويل الثروات داخل القارة، وبناء قواعد إنتاجية تسمح بخلق قيمة مضافة محلية.





