مرحلة مفصلية في ظل إصلاحات عميقة.. والمرحلة المقبلة تتطلّب برلمانا اقتصاديا بامتياز
أكّد رئيس المنظمة الوطنية للتنمية الإقتصادية روبعي نصر الدين منير، أنّ الجزائر تشهد اليوم مرحلة مفصلية في مسارها الاقتصادي، في ظل إصلاحات عميقة أطلقتها الدولة بقيادة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تهدف إلى بناء اقتصاد وطني متنوّع وناشئ، أكثر قدرة على مواجهة التحولات الدولية، والبرلمان الجديد لن يبدأ من فراغ، بل سيرث رصيدًا مهمًا من الإصلاحات التي أرستها العهدة التشريعية السابقة، وسيكون مطالبًا بتحويل النصوص القانونية المستحدثة إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
أوضح روبعي نصر الدين منير، في تصريح خصّ به «الشعب»، أنّ البرلمان المنتهية عهدته، لعب دورًا محوريًا في تحديث المنظومة التشريعية الاقتصادية، حيث صادق على مجموعة من القوانين التي شكّلت نقطة تحول في بيئة الأعمال والاستثمار، وفي مقدمتها قانون الاستثمار الجديد 22-18 الذي جاء ليؤسّس لمبدأ حرية الاستثمار والمساواة بين المستثمرين، ومنح ضمانات أكبر لرؤوس الأموال الوطنية والأجنبية. كما صادق على قانون النقد والصرف الذي يواكب التطورات المالية العالمية، ويمنح أدوات أكثر فعالية لدعم الاقتصاد الوطني، إضافة إلى مراجعة النصوص المتعلقة بالعقار الاقتصادي بهدف تسهيل الحصول على الأوعية العقارية الموجهة للاستثمارات المحلية، وهي من أكبر العقبات التي كانت تواجه المستثمرين في عهد منقضٍ.
وأبرز روبعي، أنّ البرلمان السابق واكب الإصلاحات المتعلقة برقمنة الإدارة، وتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع المؤسّسات الناشئة والصغيرة والمتوسطة، وتوسيع آليات الشراكة المثمرة، وهي خطوات وضعت الأساس القانوني لاقتصاد أكثر انفتاحًا وتنافسية، غير أن التشريع وحده لا يصنع التنمية، فالقوانين مهما بلغت جودتها تبقى بحاجة إلى تنفيذ فعّال، وإدارة عصرية، ومتابعة مستمرة، وهو ما يجعل مسؤولية البرلمان القادم أكثر أهمية.
وإذا كانت الغرفة السفلى للبرلمان المنتهية ولايتها قد نجحت في بناء الإطار القانوني للإصلاحات الكبرى، فإنّ المجلس الشعبي الوطني الجديد مطالب ببناء إطار تشريعي لاقتصاد النتائج، ومن أولوياته المرحلية تعزيز الاستقرار التشريعي حتى يطمئن المستثمر المحلي والأجنبي، ومراقبة تنفيذ قوانين الاستثمار والنقد والصرف والعقار الاقتصادي على أرض الواقع، ودعم المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الناشئة باعتبارها المحرّك الحقيقي لخلق مناصب الشغل والثروة.
مع مواصلة الدفع بإصلاح المنظومة البنكية والمصرفية ورقمنتها، وتوسيع أدوات التمويل، ودعم التحول الرقمي والإدارة الإلكترونية لتقليص البيروقراطية، وتشجيع البحث العلمي وربطه بالمؤسّسات الاقتصادية، ودفع الصادرات خارج قطاع المحروقات خصوصًا نحو الأسواق الإفريقية، في إطار منطقة التجارة الحرة القارية، ومواكبة مشاريع الأمن الغذائي والزراعات الإستراتيجية باعتبارها أحد أهم ركائز السيادة الوطنية، وتحفيز الاستثمار في الاقتصاد الأخضر والطاقات المتجدّدة والاقتصاد الدائري، وكذا مراجعة المنظومة الجبائية بما يجعلها أكثر تحفيزًا للإنتاج والاستثمارات الداخلية، بحسب قوله.
واليوم، ما يميّز الجزائر، بحسب ذات المتحدث، هو أنها تمتلك عناصر قوّة لا تتوفر عليها كثير من دول المنطقة والعالم، فهي تتمتع باستقرار سياسي ومؤسّساتي شامل، وموقع جغرافي استراتيجي يربط أوروبا بقارة إفريقيا، وثروات طبيعية هائلة، وشباب وكفاءات مؤهلة في شتى التخصّصات العلمية والهندسية، وبنية تحتية عصرية في مجالات النقل واللوجستيك والطاقة وغيرها من المقومات الفريدة.
وتابع روبعي: «الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة من التحولات العميقة، فرضتها الأزمات الجيوسياسية المتتالية خلال السنوات الأخيرة، بداية من جائحة كورونا، إلى الحرب في شرق أوروبا، والتوترات في الشرق الأوسط، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وصولًا إلى المنافسة الدولية على الغذاء والمواد الأولية والمعادن النادرة».
وأضاف المتحدث: «وفي الوقت نفسه، يشهد ثورة تكنولوجية تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والصناعة الذكية، والطاقات المتجدّدة، وهي تحولات تُعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، وتفرض على الدول إعادة بناء سياساتها الاقتصادية وفق معايير جديدة. وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد الأمن الوطني يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل أصبح مرتبطًا بالأمن الغذائي، والأمن الطاقوي، والأمن المائي، والأمن الرقمي والذكائي، والأمن الصناعي، وهي ملفات تحتاج إلى رؤية تشريعية واستراتيجية متكاملة، وهذا ما يجب أن يُراعيه البرلمان الجديد المنبثق عن انتخابات 2 جويلية 2026».
وأضاف محدثنا، أنّ المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة الجزائرية في الفلاحة الصّحراوية، والمناجم، وتحلية مياه البحر، والسّكك الحديدية، والطاقات المتجدّدة، الموانئ والمناطق الصناعية الإستثمارية، تُمثِّل قاعدة صلبة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وأكثر قدرة على المنافسة إفريقيًا وعالميًا، مشيرًا أنّ المرحلة المقبلة تتطلّب برلمانًا اقتصاديًا بامتياز، لا يكتفي بالمصادقة على القوانين، وإنّما يُشارك في تقييم السياسات العمومية، ويقترح الحلول والمبادرات التنموية، ويراقب تنفيذ المشاريع، ويستمع إلى انشغالات المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين والخبراء والجامعات ونخبة وإطارات الجمهورية.
كما ينبغي أن يكون البرلمان في حلّته الجديدة المفعمة بكفاءات وطنية، فضاءً للحوار الاقتصادي يجمع بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات المهنية والخبراء، بهدف بناء توافقات حول الخيارات الاقتصادية الكبرى مستقبلاً، يذكر وربعي.
وأردف المتحدث: «البرلمان السابق أدّى دوره في وضع الأسس القانونية للإصلاح الاقتصادي على أكمل وجهٍ، وهي خطوة كانت ضرورية لتهيئة بيئة الاستثمار وإطلاق مرحلة جديدة من التنمية. أمّا البرلمان القادم، فإنّ نجاحه لن يُقاس بعدد القوانين التي يصادق عليها، بل بقدرته على تحويل هذه الإصلاحات إلى إنجازات ميدانية، من خلال تعزيز الرقابة، وتقييم الأثر الاقتصادي للتشريعات، ومرافقة التحولات السياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم».
ويبقى الرّهان الوطني الحقيقي اليوم هو بناء اقتصاد منتج، ومتنوع، مبتكر وناشئ قادر على خلق الثروة والقيمة المضافة، وتحقيق الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية، ورفع تنافسية المؤسّسات الجزائرية، وتعزيز مكانة الجزائر كقوة اقتصادية إقليمية في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، يذكر رئيس المنظمة الوطنية للتنمية الإقتصادية، روبعي نصر الدين منير.





