هكـذا خـاض المسعفـون معركـة موازيـة لساحــات القتـال
أكد متدخلون، خلال الندوة التاريخية المنظمة بالمستشفى الجامعي ببن عكنون بمناسبة الاحتفال بالذكرى 64 لعيدي الاستقلال والشباب، تحت عنوان “القطاع الصحي إبان الثورة التحريرية”، أن أفراد “الجيش الأبيض” كانوا أحد أعمدة الثورة الجزائرية، بعدما خاض الأطباء والممرضون والمسعفون معركة موازية لساحات القتال، وأسهموا في علاج الجرحى والحفاظ على استمرارية كفاح جيش التحرير الوطني في أحلك الظروف.
وأبرز المشاركون أن تضحيات مستخدمي القطاع الصحي، إلى جانب مساهمة الأطباء المتضامنين من مختلف دول العالم، جسدت البعد الإنساني للثورة التحريرية، مؤكدين أن الحفاظ على ذاكرة الجيش الأبيض وتوثيق بطولاته يعد واجبًا وطنيًا، لما يمثله من صفحة مشرقة في تاريخ الجزائر وكفاحها من أجل الحرية والاستقلال.
وأوضح الأمين العام لمديرية الصحة لولاية الجزائر، قندير، أن الحديث عن الثورة التحريرية المجيدة لا يكتمل دون استحضار الدور البطولي الذي أداه قطاع الصحة، والذي شكل أحد أهم ركائز صمود جيش التحرير الوطني والشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وأكد أن الأطباء والممرضين والمسعفين لبوا نداء الوطن دون تردد، واستبدلوا العيادات المجهزة بكهوف الجبال ومراكز العلاج الميدانية، ووظفوا خبراتهم الطبية لخدمة المجاهدين والمدنيين رغم قلة الوسائل والإمكانات.
وأضاف المتحدث أن هؤلاء تمكنوا، رغم شح الإمكانات، من إنشاء منظومة صحية ميدانية فعالة أسهمت في علاج الجرحى وإنقاذ الأرواح، وشكلت نموذجًا في التنظيم والكفاءة، ما جعلها إحدى الصفحات المضيئة في تاريخ الثورة الجزائرية، مشيرا إلى أن الثورة التحريرية حملت أيضًا رسالة إنسانية نبيلة، تجلت في التضامن الدولي الواسع الذي حظيت به، من خلال التحاق عدد من الأطباء والممرضين الأجانب بصفوف جيش التحرير الوطني، فيما سخّر آخرون عياداتهم وإمكاناتهم في الخارج لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية وإسعاف الجرحى، في صورة عكست المكانة التي احتلتها القضية الجزائرية لدى أحرار العالم.
وأكد أن الطبيب المجاهد والممرض الفدائي والمتطوع الأجنبي مثلوا جميعًا شريان الحياة لجيش التحرير الوطني، ولم يقتصر دورهم على تقديم العلاج، بل ساهموا في رفع معنويات المجاهدين وتعزيز صمودهم في مواجهة سياسة الاستعمار التي سعت إلى تجويع الشعب الجزائري وحرمانه من أبسط حقوقه الصحية والإنسانية، مضيفا أن تنظيم هذه الندوة يهدف إلى توثيق الشهادات التاريخية وإبراز بطولات الأطباء والممرضين الشهداء والمجاهدين، إلى جانب تسليط الضوء على مساهمة الأطباء الأجانب الذين ساندوا الثورة التحريرية، بما يسهم في الحفاظ على الذاكرة الوطنية وغرس قيم التضحية والوفاء في نفوس الأجيال الجديدة، خاصة منتسبي قطاع الصحة.
من جانبه، أكد البروفيسور يعقوبي مصطفى، أن تاريخ الثورة التحريرية لا يقتصر على البطولات العسكرية، بل يشمل أيضًا الملاحم التي صنعها أفراد “الجيش الأبيض”، الذين خاضوا معركة إنسانية لا تقل أهمية عن المعارك المسلحة، وأسهموا في الحفاظ على جاهزية المجاهدين واستمرار الكفاح المسلح. وأوضح أن الأطباء والممرضين لم يكونوا مجرد ممارسين لمهنتهم، بل كانوا مجاهدين حملوا رسالة وطنية وإنسانية، وعملوا في ظروف بالغة الصعوبة داخل الجبال والمناطق المعزولة، معتمدين على وسائل بسيطة، إلا أنهم تمكنوا من علاج الجرحى ومرافقة المجاهدين في مختلف مراحل الثورة.
وأضاف يعقوبي أن الثورة الجزائرية واجهت آنذاك إحدى أقوى القوى الاستعمارية، الأمر الذي جعل مساهمة الجيش الأبيض ذات أهمية إستراتيجية، إذ كان استمرار جيش التحرير الوطني في أداء مهامه القتالية مرتبطًا بوجود أطقم طبية تسهر على علاج الجرحى والمحافظة على صحة المجاهدين، مؤكداً أن الطبيب والممرض كانا يؤديان رسالة وطنية لا تقل شرفًا عن حمل السلاح.
كما قدم البروفيسور مصطفى خياطي مداخلة حول تاريخ النشاطات الصحية خلال الثورة، فيما تطرق الدكتور رشيد حميدي إلى دور الابتكار والإعلام الصحي في دعم المجهود الطبي خلال مرحلة الكفاح التحريري.
وأجمع المتدخلون على أن الحفاظ على ذاكرة “الجيش الأبيض” وتوثيق بطولات الأطباء والممرضين والمسعفين الذين خدموا الثورة التحريرية، إلى جانب تكريم المتضامنين الأجانب الذين ساندوا القضية الجزائرية، يمثل وفاءً لتضحيات جيل صنع الاستقلال، ورسالة للأجيال القادمة بأن بناء الوطن كان ثمرة تضحيات مشتركة في ميادين القتال وفي ميادين العلاج والإنقاذ على حد سواء.



